محمد ناصر الدين
إقرأ للكاتب نفسه
جريدة بأزمان كثيرة
2016-12-30 | محمد ناصر الدين
نادي كان في عنا ساحة نلعب فيها من زمان، ونادي كانت حول بيوتن حلوة أشجار الرمان»..
يعيدنا هذا المقطع من أغنية أحمد قعبور إلى زمن بعيد، زمن المتاريس في الثمانينيات، في منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية لبيروت. لم تكن كتل الإسمنت قد اجتاحتها بعد، عشت طفولة ريفية بامتياز في البستان خلف البناية، الذي كنا نطلق عليه اسم «عودة الخليل». جدران مدخل البناية كان شاهداً على كل الأحزاب التي مرّت على هذه البقعة المشاغبة من منظمة التحرير الفلسطينية، الى منظمة العمل الشيوعي، فتيان علي، كتائب الحسين الانتحارية، منظمة ابو العباس، صور شهداء مجزرة حومين الذين «أعدموا بالرصاص من الخلف»، كما يقول الملصق المتخم بالروح الخمينية، لكن صورة وحيدة كانت بمثابة الأيقونة التي تحرس البناية وهي صورة عباس سلمان الشهيرة للأم وولدها والتذكرة اللبنانية القديمة، ديك السفير الليموني و «صوت الذين لا صوت لهم».
بدأت علاقتي بـ «السفير» من هذه الصورة التي كانت تستقبلني ذهاباً واياباً عند المدخل، ومن ذكرى شديدة الخصوصية: كنّا نصنع «الكلاشينات» الخشبية تيمّناً بمقاتلي
رحيل إلى ذكريات جميلة
2016-12-01 | محمد ناصر الدين
قرأت منذ فترة وجيزة رأياً قاسياً لبرنارد لاهير، الناقد في علم الاجتماع عن معارض الكتب في فرنسا، بـ «إنها أكثر من محال بيع الأجبان، وأن هناك معارض تولد كل صباح وأخرى تنقرض كل مغيب، بحيث أضحت المعارض تظاهرات لشراء الكتب أكثر من اكتـــشاف النصوص، وفرصة للتعرّف على فيزيونوميا الكاتب وأزيائه أكثر من سماع ما يريد قوله: باختصــــار تَجمَعُ معارض الكتب كل الخصائص السلبية الخاصة بالكتابة».
على الرغم من وجود معرض يكاد يكون يتيما للكتب في لبنان، مما يعارض الجزء الأول من المقولة القاسية للناقد الفرنسي، إلا أن الشق الثاني يطرح اسئلة جدية حول معارض الكتب بشكل عام، والعلاقة بين القارئ والكاتب تحديدا، ابتداء من دور القارئ وآلية التلقي التي كانت ميدانا لنظريات كثيرة ابتداء من حازم القرطجاني حتى مدرسة كونستانس في كتاب جاوس المرجعي (جمالية التلقي)، الى شراكة القارئ والتأويل اللانهائي للنصوص بحسب ايكو أو بارت انتهاء بضرورة قتل الكاتب «رمزيا»، بحيث يختفي تماما حين ينتقل الكتاب إلى القارئ، الذي يرث النص حين يشرع بقراءته. السؤال الثاني يتعلق باللقاء المباشر، وجها لوجه، بين الكاتب وقرائه، وأظن أن هذا اللقاء
علي السقا: انكسارات مدينة
2016-09-29 | محمد ناصر الدين
لعلنا لا نجانب الصواب اذا زعمنا أن باريس قد «خلقت» روائيا مع بالزاك، ولندن مع ديكنز، ومدريد مع غالدوس. لكن هذا الخلق، اذا استندنا الى الأحياء، والساحات، والاسواق التي تدور فيها حيوات أبطال هؤلاء الكتاب لا يشير الى المدينة الا باعتبارها ديكورا جاهزا وقالبا مكانيا سلبيا للأحداث، لا بكونها بطلا خاصا أو مؤثرا فاعلا في الرواية. اختلف التصور الروائي المكاني للمدينة بعد منتصف القرن العشرين، حين ظهر روائيون مثل جويس في «عوليس»، وألفرد دوبلن في «برلين ميدان الاسكندر»، وأورهان باموق في «الكتاب الأسود» ليحولوا المدن مثل دبلن، برلين واسطنبول وغيرها الى أبطال حقيقيين للرواية بحيث تتحول الطوبوغرافيا (Topographie) الى تيبوغرافيا (Typographie أي القراءة الخصبة للمكان الذي يتحرك (Espace en Mouvement).
مقاربتان
نحن اذن امام مقاربتين للمشهد المديني: مقاربة بواسطة الحاضر الأبدي، او بمعنى آخر المدينة - المتحف، ومقاربة ثانية تأخد بعين الأعتبار الآلة العظيمة للزمن في الهدم والبناء، في تطوره الصاخب او الهادئ أو كليهما معا. المقاربة الأولى (المدينة - المتحف) قد تنطبق على باريس أو البندقية، تلك المدن التي يخيل الينا أن بناءها واكتمالها قد تمّا
ميشيل ويلبيك.. رواية عالم يتفكك
2016-08-29 | محمد ناصر الدين
يصف ميشيل ويلبيك كتابه الثاني «البقاء حيّاً» بأنه «إعلان حرب على العالم، مصحوب بإعلان حبّ على الشعر. عندما يكتب أحدهم الشعر، يتبرأ مباشرة من النصف الثاني الذي يسكنه، وهو المثقف». جملة مقتضبة تكفي كي نفهم لماذا سبقت محاولات ويلبيك الشعرية («البقاء حيّاً» و «معاودة الفرح، ١٩٩١) أعماله الروائية مثل تمديد ميدان الكفاح (١٩٩٤) و «الجزيئات الأساسية» (١٩٩٨)، الى «الخريطة والأرض» (٢٠١٠)، وصولا الى روايته الإشكالية «خضوع» (٢٠١٥). أعمال توجت ويلبيك أيقونة جديدة للرواية الفرنسية، على شكل بالزاك أو إميل زولا معاصر، بحسب رأي غلاة معجبيه، وانتقلت بمعظمها الى الشاشة الكبيرة.
«الروائي الذي يأتي محمولاً فوق قارب من الفضائح»، هكذا وصفته صحيفة «لو فيغارو» في ملحق خصصته له منذ فترة قصيرة، الفضائح التي ابتدأها بوصفه جاك بريفير عام ١٩٩٢ بـ «الأحمق الكبير»، واستكملها بوصفه للإسلام «ديناً يسعى منذ نشأته الى إخضاع العالم، بواسطة منظومة عسكرية متعصبة تقود البشر الى التعاسة». ابتعد ويلبيك منذ رواياته الأولى عن تقليد التحليل النفسي الروائي، مفضلاً عليه البعد السوسيولوجي، بحيث تصبح الشخصيات داخل الرواية انعكاساً للوسط الاجتماعي والمهني الذي تنبثق منه: في «الجزيئات الأساسية»، يروي ويلبيك قصة التوأمين، ميشيل وبرونو، المتروكين منذ الولادة من أسرتهما البيولوجية بوصفهما ضحيتين لليبرالية الجنسية في
مقاومة
2016-08-13 | محمد ناصر الدين
لست حزيناً فكلما انحنوا الى الأرض ردّهم عبّاد الشمس الى الشمس في اكتمال الدائرة وأوقدتهم القناديل إذ أطفأَتهم الطائرة وردّوا عبّاد الشمس الى الشمس وعادوا نبعاً في ربيع.
رَجُل خلة وردة في المسافة الصغيرة بين الخلّة ووردتها رَجُلٌ يشتغل في وقت الفراغ ظلاً لشجرة رَجُل يدخل في غفلة الشجرة رَجُل يُخرج جند يوشع بن نون من قلعتهم رَجُل يستدير نحو شمس الأسطورة وقد جَفَلت في الأفق رَجُل يختفي في نفس المسافة بين الوردة وخَلّتِها رَجُل بعد ربيعين قَتَلَته الشمس حين أحبَّ لمرَّة أن يرى الشمس
شعر بلون الماء
2016-07-15 | محمد ناصر الدين
بونفوا ليس فقط شاعراً، انه بحاثة، ناقد تشكيلي ومترجم. اليأس والأمل يتلازمان في شعر شفاف يتساءل بدون توقف «ما هو العالم» شعره المائي الشفاف في صفاته يستعيد العلاقة المبتورة بعالم مفقود ويتردد بين ضوء مفقود وضوء مستعاد.

«أرغب بجمع الشعر والأمل، وإعطائهما التحديد ذاته، كتابة الشعر هي أن نعيد العالم الى وجه وجوده».
(إيف بونفوا)
شعر ايف بونفوا أشبه بغابة تبدأ من شجرة صغيرة، تتناسل الكلمات فيها كالوريقات، ويكون صوت الشاعر اشبه بالهواء الذي يلعب بالوريقات ويحركها. قد لا يعرف الكثيرون عن الرجل صاحب المؤلفات التي ربت على المئة في الشعر والفن والنقد الشعري والأدبي، أنه مترجم معتبر لشكسبير، وييتس، وكذلك لبترارك وليوباردي: تتخطى كفاءة بونفوا الحدود كلها لتثير الدهشة لا في تنوعها العجيب بل في وحدتها المركزية التي تتغذى ويشتد عودها في العلة الوحيدة للحياة والكتابة عنده، وهي الشعر. الشعر بالنسبة لإيف
تصاميم لحياة أولى
2016-04-22 | محمد ناصر الدين
وقت مستقطَع
في الوقت المستقطع في المشفى
بين تبديل الأغطية البيضاء
ثمة لحظة بيضاء أيضاً، يبصر فيها المرضى
باباً سرياً مفتوحاً في جوف الغرفة،
فرصة نادرة إذن لتهريب الأمتعة:
الطرقات المبللة، الغابة بأوراقها، كتاب التحولات لأوفيد،
عنق زينب، سورة النجم
المحتفي بالحياة
2016-03-24 | محمد ناصر الدين
حين تقرأ تجربة محمد العبدالله من عمله الأول «رسائل الوحشة» إلى الكتاب الأخير «أعمال الكتابة» الصادر عن دار الفارابي عام 2016 والذي يتضمن معظم قصائده المغناة، تقفز إلى الواجهة أسئلة أساسية تتعلق بالعلاقة الجدلية بين الشعر والحياة، أو بشكل أدق: هل يمكن للشعر أن يحتفي بالحياة أو بدرجة أعلى قليلاً أن يخلصها من قبحها؟ سؤال غريب في زمن يبدو فيه الشعر، حتى في أوساط النخب الأدبية مثل الولد المشوه الذي يتم إخفاؤه في الغرفة المجاورة، أو يتم التحدث عنه بشكل منخفض. إعادة الشعر إلى الحياة حري باستفزاز أكثر العقول تعصباً للحداثة وما بعدها، تلك العقول التي تستنكر أي تصويب أو إنعاش شعري غير تجميل القبيح والسلبي: لقد قررت هذه الحداثة موت الإنسان «الإنساني» وانطلاقا من هذا المبدأ فإن كل فن أو أدب ذي قيمة يكون هدفه بالضرورة تشريح الجثة فقط. وإذ يعزو الكاتب الفرنسي جوليان غراك تراجع الشعر إلى «خفوت المبدأ الإيجابي (sentiment du oui) الذي تستند إليه كل كتابة، حتى لو كانت تعبر عن شعور عارم باليأس، أو بالغضب والثورة»، فإن تجربة صاحب (حال الحور) هي تجربة احتفاء بالحياة وأخذ لهذا المبدأ الإيجابي إلى حالته القصوى: الشعر عند محمد العبدالله طريقة للحياة، في صعلكتها اللطيفة والسكنى في العالم وفي أنفسنا. «يسكنون التحول واللاوصول»، يقول محمد العبدالله في قصيدة الخارطة والكلمات: عرف محمد العبدالله منذ البداية أن الشعر يقوم على مبدأ أصيل هو الشك الذي ينشأ من
«الحياة على دفعات» لزهرة مروّة.. نبض تحت الثياب
2016-01-21 | محمد ناصر الدين
في حمى الاصدارات الشعرية الشبابية التي حفل بها «معرض بيروت الدولي الـ 59 للكتاب»، مجموعة شعرية متميزة للشاعرة اللبنانية زهرة مروة عن «دار الروسم» (بغداد)، بعنوان «الحياة على دفعات»، هي الثالثة بعد مجموعتين سابقتين: «جنة جاهزة» (2012) و «الإقامة في التمهيد» (2011). قراءة الكتاب تعيد إلى مربع الأسئلة الأولى حول الشعر، وتعريفه وأشكاله المتنوّعة، في زمن لم يعد حصر موضوع الشعر فيه ممكناً في زاوية القضايا القومية أو الوطنية والوجدانية، أو التأكيد ـ كما يفعل كثيرون ـ بأن الشعر هو في كلّ مكان، في أغنية جميلة، أو منظر طبيعي خلاب، أو جملة بليغة محكمة التركيب، أو حتى في إعلان دعائي.
يستولي عليك كتاب زهرة مروة بمتعة البساطة، بحيث لا تحسّ بأي خدش من صعوبة اللغة: سهولة التراكيب مربكة من قبيل «كي لا تعذبني ذكرياتي/ أحصرها في رقعة معينة/ أخشى قساوة الهواء/ وحقد الناس وغباراً يغلف أفكارهم/ أرفع أعلاماً بيضاً طوال النهار/ وإذا خطرت فكرة سوداء أباغتها من الجهة الرمادية». يُمكن للشعر إذاً أن يوجد حين يحرف الخطاب العادي والمستهلك. يسكن الشعر في الانقطاع، والتمزق، والأشكال الهشة، أو في الجهة الرمادية التي تشير إليها القصيدة بوضوح. يتّخذ الشعر من لغة
المزيد
جريدة اليوم
جاري التحميل