مع مرور كل يوم، تتضحُ صورة ما جرى خلف الكواليس في مجلس الأمن الدولي. ورغم إثارة إسرائيل جلبةً إعلامية لما نشرته صحيفة «اليوم السابع» المصرية عن محضر لقاء الوفد الفلسطيني برئاسة صائب عريقات مع كبار المسؤولين الأميركيين في الخارجية ومجلس الأمن القومي، ليس في المحضر ما يُثبت «تآمر» إدارة باراك أوباما ضد إسرائيل. فقد رفضت هذه الإدارة طوال العامين الماضيين الالتزام بتعهد تريده إسرائيل منها بالتصويت على أي مشروع ضد الاستيطان في مجلس الأمن وأصرت أميركا على أنها لن تعترض على أي مشروع قرار «متوازن» يُعرض على التصويت.
غير أن التفاصيل لا تقف هنا بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فقد أشارت الصحف الإسرائيلية إلى أنه قبل التصويت على مشروع القرار 2334 ضد المستوطنات، وبضغطٍ روسي، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو البعثة الإسرائيلية في الأمم المتحدة بعدم المشاركة في مناقشة مشروع قرار بشأن جرائم الحرب في سوريا. ولكن استجابة إسرائيل لطلب روسيا لم يمنع روسيا في اليوم التالي من التصويت إلى جانب القرار ضد المستوطنات، وهذا ما أثار عاصفةً من الانتقادات في إسرائيل لنتنياهو الذي راهن على «صديقه الجديد» فلاديمير بوتين.
وفي هذا السياق، أشار المعلق السياسي في صحيفة «معاريف» بن كسبيت إلى أن حملة نتنياهو على الأمم المتحدة وعلى إدارة أوباما واتهامهم باللاسامية لا تغير من الأمر شيئاً. وكتب أنه «ليست الامم المتحدة من اتخذت هذا القرار، بل 14 دولة. فلماذا لا يسأل أحد عن بريطانيا مثلاً؟ كم من الارتياح شعرنا به عندما أطلقت رئيسة الوزراء تيريزا ماي مؤخراً خطاباً صهيونياً حماسياً في صالحنا؟ وبالفعل، فقد صوتت بريطانيا الى جانب القرار. لم تمتنع مثل الولايات المتحدة. بل صوتت مع القرار. ومثلها فرنسا. وأين صديقنا التاريخي، الذي قضى نتنياهو معه الوقت الاطول في العامين الاخيرين أكثر من أي شخص آخر، باستثناء سارة، فلاديمير بوتين؟ صوت مع. والصينيون، الذين نعيش معهم قصة غرام ساخنة ويعجبون بالارض التي نسير عليها؟ مع. وكما أسلفنا مصر، رغم أن عبد الفتاح السيسي يعمل لدى نتنياهو بوظيفة كاملة. إذن يمكن أن نشتم الامم المتحدة من هنا وحتى عمونه. ولكن هذا هو العالم كله الذي يتخذ سياسة موحدة وواضحة في موضوع المستوطنات. بالمناسبة، فانه حتى دونالد ترامب لن ينجح في تغيير هذا».
والواقع أن نتنياهو وحكومته بذلوا جهوداً هائلة في محاولة منع تمرير القرار ضد المستوطنات. ونشرت صحيفة «هآرتس» أنه قبل ساعات من التصويت على مشروع القرار هاتف نتنياهو وزير خارجية نيوزلندا موري ماكولي بهدف منع بلاده من الاستمرار في تأييد مشروع القرار. وقبله اتصل مسؤول في الخارجية الإسرائيلية بسفير نيوزلندا في تل أبيب جوناثان كار محذراً إياه من أن إسرائيل قد تغلق سفارتها في ويلنغتون إن واصلت نيوزلندا تبني القرار. ومعروف أن مصر كانت موقعة على مسودة القرار، لكنها طلبت تأجيل التصويت عليه يوم الخميس الماضي فتصدت نيوزلندا لمهمة عرضه للتصويت. وقال نتنياهو لوزير الخارجية النيوزلندي إن «إجراء التصويت يعتبر إعلاناً للحرب». وكانت هذه محاولة نتنياهو الأخيرة لوأد مشروع القرار. وقد حاول ثني نيوزلندا عن موقفها أو على الأقل القبول بتأجيل التصويت. ونقلت «هآرتس» عن ديبلوماسيين غربيين قولهم إن المُكالمة بين نتنياهو وماكولي كانت قاسية وبالغة التوتر أطلق خلالها الأول الكثير من التهديدات.
ومن بين ما قال نتنياهو للوزير النيوزلندي: «هذا قرار فضائحي، وأطالبكم بعدم دعمه وعدم الدفع به. إذا واصلتم حثّ مشروع القرار فسيكون هذا في نظرنا إعلان حرب. هذا سيقود إلى شرخٍ في العلاقات وسيكون لذلك عواقب. سوف نستدعي سفيرنا إلى القدس». غير أن الوزير النيوزلندي رفض تهديدات نتنياهو وأصرّ على مواصلة تبني المشروع مبلغاً إياه بأن «القرار يناسب سياستنا ونحن سنحث إقراره».
تجدر الإشارة إلى أن ماكولي زار إسرائيل قبل شهر وأطلع نتنياهو على نية بلاده حث مشروع قرار في مجلس الأمن حول تجميد الاستيطان. وطبعاً رفض نتنياهو موقف نيوزلندا، ولكن نيوزلندا لم تتراجع.
وأوضحت «هآرتس» أن حوارات مع ديبلوماسيين غربيين تكشف الكثير مما جرى بعدما سحبت مصر يوم الخميس الماضي مشروعها فبادرت نيوزلندا والسنغال وماليزيا وفنزويلا إلى حمل المشروع بعدما كانت جميعها «اشبينات» لمصر. وبعدما سحبت مصر المشروع، شنّت إسرائيل حملة مكثفة لدفع الدول الأربع هذه للتراجع. ووقف ضد هذه الحملة الفلسطينيون ومعهم دول الخليج العربية وكذلك بريطانيا. فالبريطانيون حثوا النيوزلنديين على التمسك بالمشروع وعرضه على التصويت حتى من دون دعم مصر.
وقالت «هآرتس» إن النشاط البريطاني ظهر قبل ذلك بأيام وبشكل سري ومن دون إبلاغ إسرائيل. وترى إسرائيل أن البريطانيين عملوا طوال هذه المدة بحثٍّ من الأميركيين لضمان أن تكون روحية القرار مناسبة للأميركيين ومن دون تدخلهم المباشر. وقال ديبلوماسي إسرائيلي «إننا نجيد قراءة قرارات مجلس الأمن. وهذا ليس نصاً صاغه الفلسطينيون أو مصر، وإنما قوة عظمى غربية».
عموماً بعدما فشل نتنياهو في ثني نيوزلندا عن السير بمشروع القرار، هاتف نتنياهو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين راجياً إياه العمل ضده. وقالت «هآرتس» إنه ليس معلوماً ما جرى تماماً بين نتنياهو وبوتين، ولكن دراما حقيقية حدثت في مقر الأمم المتحدة قبل ساعة من تمرير القرار. فقد طلب السفير الروسي فيتالي تشوركين مشاورات مغلقة. وقد صدم هذا الطلب مندوبي 14 دولة أخرى في المجلس عندما طلب تأجيل التصويت إلى ما بعد أعياد الميلاد. وزعم تشوركين أن المجلس لم يجر النقاشات المعتادة قبل التصويت معربا عن استغرابه لاستعجال التصويت. ولكن أحداً لم يأخذ ملاحظات تشوركين بجدية وأجري التصويت.
وكان الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب قد حاول عرقلة التصويت عبر الضغط على مصر لسحب مشروعها، ثم طالب ادارة اوباما باستخدام الفيتو.
وأمس، اتهم ترامب أوباما بإطلاق «تصريحات نارية» ووضع «عراقيل» تعوق انتقال السلطة، مبدياًَ من جهة أخرى في تغريدتين على «تويتر» دعمه لإسرائيل بعد تبني مجلس الأمن قرار إدانة الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وقبل ساعات من إلقاء وزير الخارجية جون كيري كلمة عن الشرق الأوسط.
وكتب ترامب على تويتر «لا يمكن ان نستمر في السماح بمعاملة اسرائيل بازدراء تام وعدم احترام». وأضاف «كانوا معتادين وجود صديق كبير في الولايات المتحدة، لكن الامر لم يعد كذلك، وبداية النهاية كانت الاتفاق السيئ مع ايران (حول النووي)، والآن دور الامم المتحدة. ابقي قوية يا اسرائيل، العشرون من كانون الثاني قريب جدا».
وسرعان ما ردّ نتنياهو شاكراً ترامب على «صداقته الحارة ودعمه المطلق لاسرائيل».