أظهرت هزيمة المرشحة «الديموقراطية» لانتخابات الرئاسة الأميركية أن جناح يسار الوسط الذي مثّلته تلقّى ضربة قوية، وأن الائتلاف الذي جمعته، والذي ضمّ العمال المهرة المتعلمين والأقليات، لم يكن كافياً لإحراز الفوز. كما أظهرت أن على «الحزب الديموقراطي» إعادة ثقة العمال البيض به بعدما أمّن هؤلاء منصب الرئاسة لترامب، إذ صوتوا له بكثافة في «حزام الصدأ» (منطقة صناعية تقع في وسط الولايات المتحدة). وقد حصد ترامب النجاح بواسطة نشاطه في الأوساط العمّالية، ما جعل قسماً من الناخبين العماليين «الديموقراطيين» يصوتون له في ولايتي ميتشيغن ووسكونسن.
يتمثل درس معركة الانتخابات الرئاسية الأميركية الأكبر في انعدام الفهم لدى معظم السياسيين «الديموقراطيين»، بأن مرشحتهم أخطأت في اعتمادها على الولايات في وسط ـ غرب أميركا. وقد كان ترامب أكثر «شطارة» بوعده العمال البيض الغاضبين بتحصيل ما يطلبونه منه، أي إعادة العمل في مناجم الفحم، وإعادة الشركات الصناعية التي تعمل في الخارج، فضلاً عن حمايتهم من المنافسة الخارجية غير العادلة ومن مزاحمة العمالة الوافدة.
في مقابل إعلان ترامب صراحة أنه يؤيّد اتخاذ التدابير الحمائية، لم يكن موقف المرشحة «الديموقراطية» من اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ واضحاً. كان الناخبون يريدون حكومة فاعلة، وقد أكّد ترامب التزامه بالتقديمات الاجتماعية والمحافظة عليها، خاصة في ما يتعلق بالمتقاعدين.
ينتمي ترامب الى اليمين الشعبوي. والشعبوية أصلا هي اختيار يساري، علماً أن شعبويي اليمين يتبنون بعض أفكار اليسار، خاصة تلك المتعلّقة بوضع مصالح الطبقة العاملة في المقدمة، والتصدي بقوة للمؤسسات المالية الدولية. وهؤلاء أيضاً يُصرّون على أن تكون المُثل العليا في صلب السياسة العامة.
تبقى مسألة القيادة في «الحزب الديموقراطي» غير واضحة حتى اليوم. إذ تبذل إليزابيت وارن جهوداً جبارة لخلافة بيرني ساندرز الذي خسر في سباق تسمية مرشح الحزب للرئاسة، وذلك بوقوفها ضد الطبقة الحاكمة المعروفة باسم «الإستابلشمنت» وضد «وول ستريت»، المؤسسة المالية التي تتحكم بالاقتصاد الأميركي.
أما لناحية السياسة الخارجية الكارثية التي اتّبعها الرئيس أوباما في عهده، والتي يمكن وصفها بسياسة «الاستسلام» لأعداء الخارج، على العكس من السياسة الخارجية الواقعية لمعظم الرؤساء الأميركيين في الماضي، فلا نعرف كيف سيتعامل ترامب معها ولا مع تراجع نفوذ أميركا في الخارج، أو كيف سيجعل «أميركا عظيمة مرة أخرى». الأكيد أن «الحزب الديموقراطي» لم يتمكّن من «تصريف نتائج» هذه السياسة في الداخل كما يرغب.