باريس :
المطاردة التي وضعت أوزارها بالشهادة في كفرسوسة، بدأت قبل عقدين وأكثر في الشياح. الشهيد عماد مغنية كان في عين مرمى أجهزة المخابرات الإسرائيلية، والأميركية خصوصا، منذ أن صعد نجمه في العمل السري، ليصبح حقل عمله الأثير، والوحيد ربما. وكان شبح مغنية يلوح خلف عمليات كثيرة ضد الأميركيين، والغربيين في لبنان المتدخلين في قوات متعددة الجنسية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان: طائرات أميركية وخليجية تُخطف، قاعدة مارينز قرب المطار تتناثر مع انتحاري، وسفارة أميركية في عين المريسة جزم «روبرت بير»، عميل المخابرات الأميركية السابق في لبنان، «أن طوابقها العشرة، تعالت عشرين مترا عندما عبر محمد حسونة، مجًّند مغنية، بشاحنته الانتحارية قاعة الاستقبال، قبل أن تهوي أشلاء، دما وركاما». والراوي الأميركي، في كتابه بالفرنسية «سقوط السي آي أي» عام ,2001 كان يكتب مقدمات المطاردة الطويلة، التي تجعل انفجار كفرسوسة، فصلا منطقيا يختم محاولات كثيرة، لاغتيال مغنية، انتقاما لكل ما نسب إليه. «بير» قام بتدبير، المحاولة الأولى لاغتيال مغنية نهاية الثمانينيات، عابرا خطوط القتال، حتى غاليري سمعان، بحماية الميليشيا المحلية في القطاع الشرقي، للقاء عصام، العميل القادم من الضاحية الجنوبية: عماد مغنية هو الرجل الذي أريده ... عصام، تفرس في ملامحي قبل أن يستدير نحو مرافقي جان «هل هو جدي ..؟طأطأ جان برأسه،.. أريد ألفي دولار مقدما، وألف دولار بعد التنفيذ، قال عصام.
ـ أريده حيا
ـ إبحث إذاً عن رجل آخر.
أسبوع عاد بعدها الرجل بصور للمدرسة الدينية، التي كان يأتيها مغنية مرة في الأسبوع، كي ينام فيها «لم يعد لمغنية مرقد دائم، فإلى جانب السي آي أي، وحشود المخابرات التي تتعقبه، ما كان مسموحا له أن يبيت ليليتن متتاليتين في سرير واحد. وتحت السقف نفسه كان يخرج من الأبواب الخلفية على الدوام، ولا يكرر الصعود ظهرا في سيارة الصباح».
ـ «هل بوسعك أن تختطفه»؟
ـ «لقد قلت لك، بوسعي أن أقتله، وإذا كنت تتصور أنني سأخطفه، فأنت مخطئ. هناك مكان خلف المدرسة لوضع سيارة مفخخة، وأخرى أمامها، ولدي ألف كيلو من السمتكس، لحل المشكلة، وأريد ألفي دولار مقدما وعشرين ألفا بعد قتل مغنية».
روبيرت بير لم يتأخر في اتخاذ القرار، مغنية رجل يقتل فقط، ولا يمكن خطفه، لكن الحادي عشر من سبتمبر، كان لا يزال بعيدا، ووكالة المخابرات المركزية، كانت لا تزال تتعفف عن القتل والاغتيال، الذي رفعت إدارة بوش تحريمه، وأطلقت يد أجهزتها لتقتل وتغتال كما شاءت. «هذه العملية كانت تنطوي على مخاطر كثيرة، كنت أود وضع اليد على المسؤول عن تفجير سفارتنا في بيروت، لكنني لم أكن أملك السلطة الأخلاقية الكافية للحكم عليه بالموت، وهذا القرار يعود إلى السياسيين في واشنطن».
تردد «روبرت بير» وهو نادم لأنه لم يتخذ القرار المناسب آنذاك «لأن مغنية، يوازي في خطورته بن لادن». لكن المطاردة الأميركية لم تتوقف. ففي «الدفاتر الحميمة للمخابرات الفرنسية» يروي مدراؤها السابقون تاريخها، وفصلا من التعاون في الحرب ضد الإرهاب مع الأميركيين «الذين كانت ثقتهم بنا نسبية فقرروا اختبارنا في عملية مشتركة ضد عماد مغنية».
«ففي يوم من أيام 1987نقلت المخابرات المركزية رسالة مباشرة إلى الرئيس فرانسوا ميتران، وشديدة الاختصار: عماد مغنية، قائد أوركسترا حزب الله للتفجيرات، سيعبر في أحد المطارات الفرنسية. شكرا لاعتقالكم إياه». كما روى مديرها الأسبق ريمي بوتريل. «ميتران نقل الرسالة إلى وزير الداخلية بيار جوكس، ومنه إلى جهاز ألـ«دي أس تي»، المخابرات أبدت لنا الرسالة هائلة، ومن نسج الخيال، ومحاولة لاختبارنا، وعرضنا على الوزير إجراءات للمراقبة في مطاري أورلي، ورواسي». لكن بيار جوكس رفض ... «وبدلا من اعتقال الإرهابي الذي يبحث العالم كله عنه، أعلمناه بأن هناك من يرصد تحركاته وخططه عن قرب، آملا أن يعترف الإيرانيون بهذا الجميل بطريقة أو بأخرى». مغنية نجا من الاعتقال في مطار فرنسي، لأن المخابرات الفرنسية لم تكن قادرة على تحمل تبعات اعتقاله، وتسليمه للأميركيين. ومع ذلك فقد نظمت المخابرات الفرنسية تدابير وهمية لاعتقاله، في المطار «فوضعنا عملاء لاستقباله معروفين من المخابرات الأميركية التي كانت تراقب، لتتأكد من تعاوننا. حطت الطائرة، بحثت الشرطة عبثا عن مغنية، تحت أعين السي آي أي، التي شكرت ميتران على التعاون. ناطقة الخارجية الفرنسية باسكال أندرياني اكتفت بالأسف «لأن مغنية لم يحاكم على ما قام به من أعمال، وكما فهمت، فهو كان هدفا لمذكرات توقيف لدى الأنتربول»، لكن عماد مغنية استشهد.