|
|
الألماني جوزيف بويس (1921 ـ 1986)
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
ايمان حميدان يونس
لا بد بعد الانتهاء من قراءة رواية اختلاس للكاتب والصحافي السعودي هاني نقشبندي من التساؤل حول ما يريد الكاتب قوله في روايته هذه. ماذا يريد قوله على تلك المساحة الهائلة من الصفحات؟ هل يريد اظهار المجتمع السعودي على حقيقته أم يريد اظهار نصف الحقيقة وايجاد صيغة توفيقية غير موفقة؟ أم تقديم ما يشبه السيرة؟ «اختلاس» رواية تدور احداثها في مكانين: الرياض ولندن وتقوم على رسائل تبعثها امرأة سعودية متزوجة تدعى ساره الى الصحافي هشام، وهو رئيس تحرير مجلة نسائية سعودية تصدر في لندن. بدأت ساره ببعث تلك الرسائل محاولة منها للرد على تحقيق قامت به المجلة حول الخيانة الزوجية يستنتج فيه ان لا خيانة في مجتمعاتنا المحافظة المسلمة وأن هذه الأعمال هي من رجس المجتمعات الغربية. اذن ومنذ الصفحات الأولى للرواية أعطيت البطلة دور فاضحة العلاقات الاجتماعية والعائلية. الا ان على امتداد صفحات الرواية الـ,389 لم تقم ساره بفضح العلاقات، بل كتبت رسائل ووقعتها باسمها الأول لتبعثها لرئيس تحرير المجلة تحتج فيها على كذب الرجال وعلى إهمالهم لنسائهن وعدم اشباع حاجاتهن العاطفية والجنسية. لم تنس ابدا في رسائلها، التي أراد الكاتب تقديمها وكأنها متطلبة ومختلفة عن السائد، ان تخبر عن جمال جسدها وشبابها ورغبتها وحرمانها وغياب الزوج الدائم وعدم اهتمامه بها أو بتقديم الهدايا لها.لم تنس أيضا أن تكتب عن لون قميص النوم والروب وغطاء السرير الذي لا بد أن يتماشى مع لون الستائر ولون المقعد ولون السجادة. بالطبع مطالب كهذه ليست مختلفة عن مطلب أي امرأة نموذج للسائد، لذا يبدو السؤال المكرر وفي أماكن عدة وعلى لسان البطلة «لماذا لستُ كالأخريات؟»(ص 14 مثلا) غير مقنع، ذلك ان من الصعب معرفة أين يكمن اختلاف سارة وأين هي خصوصيتها. امرأة قوية اختارت سارة اللون الأحمر لغرفة النوم لأنه دليل الشخصية القوية كما قرأت يوما «وهي تحب أن تكون امرأة قوية، لكن غير مسيطرة. في رأيها أن المرأة عندما تسيطر على الرجل ستخسر انوثتها من جهة، وستخسر الرجل نفسه من جهة ثانية. فمن قال ان المرأة تحب رجلا تسيطر عليه؟»(ص15). كليشيهات مماثلة توزعت على صفحات الرواية. اذن لا بأس للبطلة التي أُلبست دور الناقدة للعلاقات الاجتماعية أن يسيطر عليها الرجل طالما هو يعطيها من وقته ويقدم لها الهدايا ويشبع رغباتها الجنسية التي تبدو في الرواية كأنها النهاية والبداية في عالم المرأة. تُقدّم سارة وكأننا أمام امرأة أرادت تحدي التقاليد وفضح الزيف من خلال حياة مختلفة مميزة. لكن سرعان ما نكتشف ان سارة وهي المرتاحة ماديا ـ والتي لا تعمل، والتي تقوم بزيارة أطفالها في غرفتهما كأنها تزور أولاد الجيران ـ تشعر بضجر متواصل، وبشعور بالموت، والسبب هو اهمال الزوج لها وسفره الدائم مما يتركها في وحدة ووحشة كاملتين! غياب الرجل وغياب أي تعبير اليف أو حب نحوها يُبقي سارة في حالة رغبة دائمة للجنس وللحب. تحاول اطفاء تلك الرغبة مرة بتمرير يدها على جسدها، ومرة أخرى بتخيل رجال في فراشها، ومرة بشراء كثير من الهدايا لنفسها والقيام بفتحها كطفلة. وأحيانا بالوقوف أمام المرآة والتفرج على جسدها وهي شبه عارية بملابس حريرية شفافة. غالبا ما نراها تحارب رغباتها بالصلاة. انها صورة مسرحية لمرأة مهملة ولعالم صغير تافه. الوحدة، الركوع، الصلاة، الاستحمام طلبا للانتعاش، التزين، الملابس الشفافة في الوحدة ،الاستمناء ومداعبة الجسد، الذهاب الى السوق، استراق النظر الى السائق، ثم العودة وحيدة الى غرفتها ومداعبتها لجسدها بدل أن يداعبها السائق (هل لعدم قبول السائق سبب طبقي مثلا؟)، زيارات الصديقات، تقبيل الطفلين والبقاء معهما لبعض الوقت، الخواء، الوحشة، ثم في النهاية بعض الكتابة الاحتجاجية. هناك دائماً العطر والرائحة والثياب الحريرية والجمال والقوام. هناك دائما الشموع والأغطية الحمراء والانارة الخافتة. اذن في الرواية كل مستلزمات الغواية والجنس. غواية وجنس لا ولم يتحققا لدى البطلة. هذا هو تقريبا عالم سارة الضيق. سارة العربية، السعودية، المتزوجة، المرأة والأم. تختلط على القارئ الأمور ولا يدري هل الخواء سببه اهمال الرجل ام عدم قيام البطلة بأي عمل يملأ حياتها وتفكيرها. بالطبع لا يشير الكاتب أبدا الى ذلك لأن الاشارة معناها مناقشة الموضوع من باب آخر وهذا لم يظهر الروائي أي نية للقيام به. اذن مرد كل ذلك الفراغ الى غياب الزوج في رحلة عمل أو رحلة نساء. ولا يوجد بين نساء الرواية امراة تعمل( خياطة في منزلها مثلا) أو تعلم أطفالها عند المساء، أو تطبخ، بل المرأة دائما تنتمي الى طبقة ميسورة، وصورتها في الرواية هي صورة المتوقع، أي ما لا يخرج عن المألوف حتى في المطالبة بتغيير ما. كأن الكاتب لم يشأ الذهاب بطرح مشكلة العلاقة بين الرجل والمرأة حتى النهاية، وايضا بطرح مشكلة المرأة السعودية، بل ربما أراد ايجاد حل يرضي الجميع في مجتمع محافظ: سيطرة الرجل على المرأة مقابل حمايتها، وذلك كله يتم بالطبع وسط جو عائلي يسوده الوئام والحب. انه حل توفيقي. العربي هشام الصحافي الذي يدير مجلة نسائية هو نموذج الرجل العربي الذي يقطن في الغرب والذي يرى في العلاقة مع المرأة علاقة الصياد مع الطريدة. الصياد الذي ما أن يحقق صيده حتى يبدا بالتفتيش عن طريدة أخرى. أما علاقته مع ايزابيل الشابة الاسبانية التي تكتب اطروحة عن تأثير العرب في الثقافة الاسبانية فلم ينتظر هشام طويلا قبل أن يفتش عن امرأة أخرى وذلك بحجة ان وقتها ضيق لأنها تسافر وتدرس. في النهاية يجد هشام الصحافي نفسه مطروداً من جنة ايزابيل وربما سيطرد من جنة المرأة الأخرى أيضا. لكن كيف نوفق بين ما تكتبه سارة وبين دور الصحافي هشام؟ كيف نوفق بين مهمة رئيس تحرير مجلة نسائية محافظة عملها الأساسي اعادة انتاج العلاقات السائدة وخلق حاجات استهلاكية وهمية لدى المرأة، وبين الحاجة الى تعرية العلاقات العائلية والنظرة الى المرأة والجنس والرغبة، وذلك كله في مجتمع تتوجه اليه المجلة عينها؟ سؤال مهم، خاصة اذا لم ننس ان الرقيب الذي يمثل السلطة الدينية والسياسية السعودية موجود بقوة ويناقش الصحافي في المواضيع المعدة للنشر. وجد هشام ، الشخصية الذكورية في الرواية، نفسه أمام مأزق كبير ذلك ان من الصعب ايجاد صيغة توفيقية بين الضدين. الحل الوحيد كان في الاستقالة ثم العودة الى بلاده. حل أنيق وجميل الا انه غير مقنع أيضا. استطاع رئيس التحرير اذن ان يجد مخرجا لمأزقه وهو الذي يتمتح بحركة وحرية دائمتين. ينتقل بين المكتب والشارع، من مقهى الى آخر ومن امرأة الى أخرى. هو لا يشبه نساء الرواية اللواتي لم يأخذن مبادرة حلول لحياتهن، حلول مباشرة وواقعية. بل عمدن الى ايجاد مخارج مواربة موازية للحياة أو قريبة منها: فؤادة في الرسم وسارة في الكتابة. حلول أخرى أكثر مأساوية كموت نوارة. لكن لماذا الاستعاضة عن الفعل بالكتابة أو بالرسم؟ هل السبب خفة لدى الكاتب في التعاطي مع المشكلة؟ أم هو تلك النزعة المحافظة أو التوفيقية والرغبة في ايجاد حلول وسط لمشاكل المجتمع السعودي؟ سارة لا تطلب الطلاق من زوجها بل تكتب. سارة لا تحب شخصا آخر بل تكتب. سارة لا تمارس الجنس مع رجل غير زوجها الغائب دائما بل تمارسه مع نفسها، ثم تكتب. هل يقدم لنا الروائي الكتابة بديلا عن الحياة بدل أن تكون امتداداً لها؟ شخصيات متناقضة تقدم عبر صور كاريكاتورية للحب والزواج والجنس والرغبة. هناك كثير من الماء والصلاة والاستمناء والحرير والعطر والتعري المنفرد في حياة سارة. وكثير من الحياة السريعة والكذب وقليل من الحب في حياة هشام. ربما ما يجمعهما هو أكثر مما يظهر بكثير. هناك الخواء والحياة ذات الوجهين أو أكثر. الا ان لدى هشام، كونه رجلا، امكانية المبادرة والقدرة على ادارة حياته. رغم ذلك يقول في مكان ما أن سارة علمته أشياءً كثيرة. لكن كيف لامرأة مثل سارة التي تعيش في بطالة وخواء وفراغ ووحشة أن تعلم أي انسان اي شيء؟
|