الأرشيف


اليوم تتسلّم لميس هديّة زفافها


في موقف السيّارات المحاذي للجريدة، ألتقي بمهى. كان ١٢ تموز .٢٠٠٦ تقول لي: »مبروك! هنّيتي لميس؟«. لم أكن قد علمت بعد بعمليّة الأسر التي أتت »على شرف« سمير. أستوضح منها المسألة وأتّصل بصديقتي. »معقول تكون هديّة عرسي؟«، هي كانت قد تزوّجت قبل عشرة أيام. لكن الأحداث المتلاحقة والغارات والمجازر أجابت بالنفي على سؤالها.
في تموز من ذلك العام، أطلق »السيّد« تسمية »الوعد الصادق« على عمليّة أسر الجنديين الإسرائيليّين. أما وعده ذاك فقد صدق وإن بعد عامين. وها هي لميس اليوم تستقبل سمير الذي لا تذكر عنه الكثير... هي كانت في عامها الثاني (وستة أشهر إضافيّة تقريباً) عندما اشترى لها تلك اللعبة ورحل واعداً أمّه بأنه سيعود بعد يومين.
[[[
السبت ٢٧ كانون الأول .١٩٩٧ تاريخ أذكره جيداً. أما المكان فمنزل آل خالد في صور. ملاك، دعت بعض الأصدقاء للقاء عمّتها... ليلى خالد. فذهبتُ وكاتيا وحسين وريان ونادر لنلتقي بـ»بطلتي«. في الدار، مجموعة من الشباب. أحدهم، كنتُ قد التقيت به مراراً في نشاطات مختلفة لكنني لم أكن أعرف من هو. أحدهم هذا، كان يصرّ على سؤالها عن المعتقلين في السجون الإسرائيليّة وعن سمير. لم أكن أعلم من هو سمير. كنت مغتاظة. في لقاء كهذا مع ليلى خالد، لا بدّ من سؤالها عن نفسها... عن تجربتها... عما شعرَت به عندما اختطفت طائرة وعندما رمّمت وجهها من دون تخدير وعندما... كنت أحمل عشرات الأسئلة وكنت منفعلة. كانت بطلتي وكنت بحاجة إلى معرفة المزيد عنها... منها.
ورحت أرمق ذلك الشاب بنظرات فيها كثير من الحنق. فأنا لم أفهم في ذلك الوقت أن سمير القنطار ليس فقط بطل بسّام (هكذا يُدعى ذلك الشاب)، وإنما الدم نفسه يسري في عروقهما.
[[[
عام ،١٩٩٨ انتقلت لمتابعة دراستي في الفرع الأول لكليّة الإعلام. ورحت أبحث عن سكن قريب من الجامعة. لم أشأ أن ألتزم بقوانين ومواعيد سكن الطالبات أو الـ»فواييه«، فتدلّني كاتيا إلى سلام وسهى ورفيقتَي سكنهما... »صبايا« بحاجة إلى من تشاركهنّ شقّة في الطريق الجديدة، تحديداً »أبو شاكر«.
عندما أحضرت أمتعتي التقيت بإحداهن. لم أكن قد تعرّفت إليها بعد. »لميس القنطار... نحن أساساً من المتن«. أقول لها من باب المجاملة، أعرف أحدهم من آل القنطار. أخوه معتقل في إسرائيل. تجيب: »هذا أخي!«. أحاول تبرير عدم تنبّهي للشبه الكبير بينها وبين بسّام... فأُحرَج.
وأشارك لميس وميرا الغرفة نفسها.
في نيسان من عام ،١٩٩٩ أحضر المهرجان الذي أقيم في الأونيسكو، في الذكرى العشرين لاعتقال سمير. كانت تلك مرّتي الأولى... لكنني اعتبرت نفسي من أهل البيت.
[[[
وكانت الزيارة الأولى إلى عبيه. التقيت »سومي« و»سمرا«. كنتُ قد اعتدت سماعهما من على »صوت الشعب«، عندما كانا يوجّهان التحيّة إلى عمّهما »البطل«. كانا صغيرين... جداً.
سامي وسامر توأمان. سيبلغان قريباً الرابعة عشرة. لم يعودا طفلين يتّصلان بـ»صوت الشعب« بانتظام، لكنهما اليوم أيضاً يستقبلان عمّاً مناضلاً عرفاه من خلال الصور والرسائل وحكايات تيتا سهام.
[[[
طوال عشر سنوات، اعتدت على امرأة متماسكة. لطالما بدت »أم سمير« صلبة بمنديلها الأبيض... أكثر صلابة، حتى من »أم أنور« (ياسين).
لكن، وقبل أسابيع، رأيتها أماً لا تنفكّ تغصّ تأثّراً. كأنها لا تصدّق ما سوف يحدث. كأنها تخاف من أن تصدّق... من أن تأمل، لتُصاب لاحقاً بخيبة مؤلمة. فاليومان طالا حتى كادا يبلغان ثلاثة عقود كاملة.
للمرّة الأولى تخبرني عنه... عن الساعات والأيّام الأخيرة التي سبقت عمليّة ٢٢ نيسان .١٩٧٩ أدمع حين يختنق صوتها. وأعد نفسي بأنني لن »أفشي« ما روته لي. سأحتفظ بذلك لنفسي... على أنه امتياز.
[[[
اليوم تتسلّم لميس هديّة زفافها التي وعدها بها »السيّد«. أما أنا، فلم أختر بعد هديّتي لها... وقد مضت سنتان.


Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player


 

جريدة-e
 
نسخة للطباعة إرسال المقال
نسمع اقتراحاتكم وتعليقاتكم
الأكثر قراءة في الموقع