الأرشيف

أول صحافي يراسل وسائل إعلامية سورية من الجولان ومُطلق موقع «جولان تايمز»

عطا فرحات أسيراً في السجن الإسرائيلي بتهمة «التعامل مع العدو»

عطا، الصحافي الجولاني

نسرين عز الدين

لا جديد تحت سقف سجن الجلبوع الإسرائيلي الذي يقع على بعد 15 كلم من مدينة بيسان. الأيام تتكرر والأحداث هي ذاتها، لا جديد سوى روتين إلزامي صنّف الأيام والأشخاص وصنّف معهم الجولاني عطا فرحات كأسير وسجين ومعتقل.
يمضي عطا أيامه متنقلاً بين نشاطات محدودة. يستيقظ في الخامسة صباحاً، ليقضي فترة استجوابات صباحية، مع ما قد يرافقها من ترهيب نفسي وتعذيب جسدي، تمتد حتى التاسعة لينتقل بعدها مع رفاقه إلى قاعة الطعام ليتناولوا خلال نصف ساعة الفطور.
حينها، يمتد نهارهم حتى الرابعة ويتضمن نشاطات متنوعة، منها الرياضية والتعليمية وحصص الرسم، وتتخللها نصف ساعة للغداء.
أما النشاطات غير الاختيارية فيمكن أن تحلّ على إيقاع الأدوية التي تُجلب إلى المعتقلين في سجن الجلبوع، وهي أدوية لا تزال تحت التجربة، فيختبرها السجناء المرضى، مع ما يعقب الاختبار من تدهور أو تحسّن في حالاتهم المرضية.
الخامسة صباحاً من اليوم الواقع فيه الثلاثون من تموز 2007:
الثلاثون من تموز عام ,2007 الخامسة صباحاً، قامت وحدات خاصة من الشرطة الإسرائيلية «ياسام» باقتحام منزل عطا فرحات في بقعاتا في الجولان السوري المحتل، وتم اقتياده إلى جهة مجهولة، ليظهر بعد ذلك خبره في قرار المحكمة الإسرائيلية التي ارتأت وجوب استمرار اعتقاله.
وبعد ثلاثة أشهر من اعتقاله، تم توجيه التهمة... «التعامل مع العدو»، لتكون الأسباب الموجبة لهذا الاتهام هي عمله كمراسل للتلفزيون السوري ولصحيفة «الوطن».
يُعتبر فرحات أول صحافي يراسل وسائل إعلامية سورية من الجولان منذ عام .1967 لم يوجب عمله كمراسل اعتقاله مباشرة، فهو يقوم بعمله منذ أكثر من عام، بالإضافة إلى إطلاقه موقع «جولان تايمز».
يقول عطا من سجنه أنه بخير ويتمتع بمعنويات عالية، فهو ما زال مؤمناً بأن «الاعتقال لنا عادة والشهادة حب وعبادة»، وهو فخور بأنه حفيد غالية فرحات، أول شهيدة تسقط في الجولان... فهي مثله الأعلى، هي وعلي فرحات الذي شارك في إجلاء الفرنسيين عن الجولان عام .1925
يتمنى الحرية، وإنما لا يربطها بشخصه فقط، فهي أمل يتمناه لكل رفاقه المعتقلين. وعلى الرغم من سلسلة الجلسات التي قاربت العشرين، والتعتيم الإعلامي الكبير، يتوقع عطا أن يتم الإفراج عنه.
من إعلامي إلى «فدائي عميل»...
«تعلن المحكمة تأجيل الجلسة إلى 3/7/2008». جملة تكررت على مسامع فرحات ما يقارب العشرين مرة. جلسة تختم من دون أي تقدّم يذكر، وتؤجل إلى موعد آخر.
البداية كانت جلسة أولى سرية لشهود الاتهام في مدينة الناصرة في الثاني من آذار عام 2008 حيث أعلن القاضي المكلّف بالنظر في القضية إلغاء جلسة العاشر من آذار ناسفاً اتفاقاً سابقاً مع محامي فرحات في كانون الأول 2007 يقضي بتحديد عدد الجلسات بخمس، تبدأ في الثاني من آذار وتنتهي في السابع عشر من نيسان.
وكرّت السبحة وتكررت الجلسات وتكررت التأجيلات، في ظل رقابة عسكرية إسرائيلية صارمة تمنع تداول قضيته إعلامياً كونها «ذات حساسية وتتعلق بالأمن»، وحظر على المحامين ووسائل الإعلام كشف ما يرتبط بها.
وبرفقة هذه الرقابة الصارمة، ظهر عطا الإعلامي المتهم بالعمالة لبلاده في تقرير لآهارون كلاين كـ«فدائي يشتبه بتحضيره لهجمات ضد الدولة اليهودية».
يقول التقرير إن الشخص السوري «الذي امتنعت المصادر الأمنية عن التصريح باسمه لأسباب عسكرية، تم اعتقاله في التاسع والعشرين من تموز بعدما داهمت الشرطة منزله في بقعاتا ليلاً، لأنه متهم بجمع معلومات استخباراتية عن المجموعات اليهودية والمواقع العسكرية الإسرائيلية في مرتفعات الجولان ونقل المعلومات إلى الحكومة السورية وعناصر في سوريا تسعى إلى استخدام هذه المعلومات لشن غارات فدائية وهجمات على الجولان على غرار ما يقوم به حزب الله».
ويربط الكاتب بين الاعتقال وبين الغارة الإسرائيلية على دير الزور. وبعد قيام الاستخبارات الإسرائيلية بمراقبة نشاطاته لعام كامل، قامت باعتقاله... ويختم التقرير بالإعلان عن تعميم قامت الشرطة الإسرائيلية بتوزيعه على وسائل الإعلام طالبة منها عدم تناول هذه القضية.
يعلّق عطا على الاتهامات الواردة في التقرير بالقول: «خرافات وتخويف... وإذا كان الأمر كذلك، فاعتبره وسام شرف أقدمه لأرضي ووطني... نحن لا نهاب السجّان أو السجن».
لم يتم تضمين هذه التهمة في الاتهام الأساسي الموجّه لعطا حتى الآن، لكنها صفة «هربت» إلى الإعلام... وهكذا، في معلومة إعلامية غرّدت خارج سرب الحظر والتعميمات المانعة، تحوّل عطا من إعلامي متهم للمرة الثانية بالتعامل مع العدو إلى فدائي على الأرجح يمتلك معلومات ذات حساسية عالية استدعت ربطه بالغارة على موقع نووي مفترض في دير الزور.
من هو عطا فرحات؟
ولد عطا فرحات في قرية بقعاتا. وبعد إكماله مرحلة تعليمه الثانوية، تقدّم بطلب للذهاب إلى دمشق لمتابعة تعليمه الجامعي. رُفض طلبه خمس مرات ليسافر بعدها إلى سوريا ويلتحق بكلية الآداب ـ قسم الصحافة في جامعة دمشق عن عمر يناهز الثالثة والعشرين.
في تموز ,2002 ولدى عودته إلى الجولان بعد تخرجه كصحافي، وقبل أن يصل إلى أهله وقريته، تم اعتقاله عند نقطة العبور على معبر القنيطرة، وسُجن بتهمة «العمالة مع العدو».
لم يكن هذا الاعتقال هو الأول، فلقد سبق له أن اعتُقل في 19 نيسان ,1987 وكان حينها يناهز الخامسة عشرة والنصف من العمر، بعد شهر على مقتل جدته غالية فرحات برصاص إسرائيلي. أما الاعتقال الثاني على معبر القنيطرة فكان ثمنه 14 شهراً، أمضى 8 منها في السجن والمدة الباقية في الحجز المنزلي.
وبين عمله كمزارع أحياناً وكعامل بناء في أحيان أخرى، قرر إطلاق موقع «جولان تايمز» الذي أُوقف عن العمل لأكثر من 8 أشهر عقب اعتقاله الأخير. وبطلب منه، عاد الموقع إلى البث ليكون هو هذه المرة ضمن لائحة الأسرى الذين لطالما تتبع أخبارهم.
قضية عطا كإعلامي معتقل ظهــرت في بيان صــادر عن «مراسلون بلا حدود» و«اتحاد الصحافيين العالميين»، وحتى في بيان صـادر عن الحكومة الفرنسية. أما المتابعة فهي محصورة بمنظمة «مراسلون بلا حدود» كون المنظمات الأخرى لا تتواصل مع العائلة إلا في ما ندر. وكانت المنظمة قد أصدرت بياناً بعد 3 أشهر من اعتقاله أعربت فيه عن قلقها من «الغموض المحيط بالاعتقال وخصوصاً أن القضاء رفض منحه الحرية المؤقتة».
طالت المحاكمة أكثر مما تحتمل قانونياً، وعلى الرغم من تقدّم عائلة عطا بواسطة المحامي بطلب الإفراج المؤقت مع الإقامة الجبرية. لكن القاضي رفض في الثالث والعشرين من تشرين الأول 2007 هذا الطلب.
يتواصل عطا مع العالم الخارجي بقدر ما تسمح الزيارات العائلية بذلك، يستمع إلى أخبارهم ويستمعون إلى أخباره. متفائل كما هي عائلته التي تتمنى أن ينال حريته. أما في حال عدم حدوث ذلك... «فما باليد حيلة».


Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player


 

جريدة-e
 
نسخة للطباعة إرسال المقال
نسمع اقتراحاتكم وتعليقاتكم
الأكثر قراءة في الموقع