الأرشيف

على فكرة

مطــر

سمر عبد الجابر

حين تمطر في بيروت
ليس حزناً
هذا الذي أشعر به
حين أعرف أنها تمطر الآن في بيروت
لكنه الحنين الذي يصبح أضعافاً
مالئاً رئتيّ والهواء
إذ أتخيّل الطرقات
وقد أصبح لونها أكثر حدّةً
والأرصفة برماديّها الغامق
ترشق مياهً تحت أقدامٍ مستعجلة
وذلك العتم الّذي، حتى في وضح النهار،
ترتديه المدينة
كمعطفٍ طويل
ليس حزناً
لكنه الحنين
إذ أرغب بأن أتقلّص فجأةً
لأصبح قطرة مطرٍ تصنع طريقها ببطء
على زجاج نافذة
أو على ورقة شجرة
أو على مظلّةٍ،
من فرط افتقادها للمطر،
قررت أن تجوب المدينة سيراً
هذا المساء
لكن المطر في حيفا
مطرها يثير فيّ حزناً شديداً
إذ يصعب،
مهما حاولت إقناع نفسي بأن رائحته على الطرقات
تتشابه في كل المدن،
يصعب أن أتخيّل ذلك حقّاً
أو أن أصدّقه
لأنّي لم أكن يوماً وراء تلك النافذة
ولم يكن مطرٌ فوق ذاك السقف
في ذاك المنزل
الّذي لم أدخله أو أغادره ذات صباح
وكم يصعب أن أتخيّل
لأنّ روح المدينة في الشتاء
يشعر بها أولئك الّذين يجلسون قرب مدفأة
ينصتون بصمتٍ إلى هفيف الرّياح
وأولئك الّذين يعودون إلى منازلهم مبلّلين
وأولئك الّذين، تحت ملاءاتهم الدافئة،
يتأففون من رنّة منبّهٍ يوقظهم في صباحٍ بارد
وأولئك الّذين يعرفون الطرق الأقلّ خطورةً
حين تشتد العاصفة
وأولئك الّذين يعرفون جيّداً
كيف تكون رائحة الطرقات
حين يهطل المطر في حيفا ذات صباح


Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player


 
إقرأ للكاتب نفسه

جريدة-e
 
نسخة للطباعة إرسال المقال
نسمع اقتراحاتكم وتعليقاتكم
الأكثر قراءة في الموقع