|
رغم أن الحكومة التركية بدأت في اتخاذ مواقف مناوئة لإسرائيل منذ سنوات, إلا أن إسرائيل شعرت بأنها أخذت على حين غرة جراء المواقف الأخيرة لرئيس الحكومة التركية طيب رجب أردوغان. وتحوّلت المفاجأة إلى نوع من الصدمة جراء الموقف التركي من مشاركة إسرائيل في مناورة «نسر الأناضول» السنوية. فآخر ما كان يؤمن به الإسرائيليون هو أن في تركيا حكومتين: واحدة عسكرية تمسك بزمام الأمور فعلياً, والثانية مدنية تستطيع أن تتحدث ما تشاء.
ومن وجهة النظر الإسرائيلية تقيم الحكومة التركية الأولى, العسكرية, تحالفاً وثيقاً مع إسرائيل يمكن الركون إليه في كل الظروف. وقد سمح هذا التحالف لإسرائيل باعتبار تركيا «الحليف الاستراتيجي» الثاني في أهميته بعد الولايات المتحدة والذي يشاركها ليس فقط طبيعة المعدات ونظريات القتال وإنما العداء للعرب وللأصولية الإسلامية. أما الحكومة الثانية, المدنية, فإنها تتحرك في الهامش الضيق الذي تسمح به الحكومة الأولى والذي لا يتعدّى إطلاق التصريحات والمواقف العدائية التي تنفع من جهة ثانية في إخفاء التحالف الأول.
وفهمت إسرائيل, بعد حين, أن الحكومتين قد تتعاونان بشكل يسمح ببقاء التحالف العسكري مع إسرائيل من ناحية وبناء جسر للتفاهم مع بعض العرب من جهة أخرى. ولذلك لم تعارض إسرائيل الدور الذي حبذت حكومة أردوغان لعبه للوساطة مع سوريا أو حتى الوساطة مع حركة حماس. غير أن ما لم تفهمه إسرائيل هو التغيير الذي طرأ على المجتمع التركي فزاد من فعلية وقيمة دور الحكومة المدنية وأضعف دور الحكومة العسكرية في الحياة العامة. ومن هنا كانت المفاجأة الكبرى في سلوك ليس حكومة أردوغان وإنما حكومة العسكر.
ويبدو أن نقطة البداية على هذا الصعيد كانت قبل شهور عندما تفوّه قائد القوات البرية الإسرائيلية الجنرال آفي مزراحي بتصريحات أغضبت الجيش التركي حمل فيها على مواقف أردوغان تجاه جرائم إسرائيل. وقال الجنرال مزراحي إن على أردوغان أن ينظر في المرآة ليرى ما اقترفه الجيش التركي من مجازر بحق الأرمن والأكراد. وما كان من رئاسة الأركان التركية إلا أن طلبت اعتذارات رسمية وهددت وأنذرت. وبالفعل تنصلت القيادة العسكرية الإسرائيلية من تصريحات مزراحي وقالت إنه لا يعبر إلا عن نفسه.
والمؤكد أن إسرائيل الرسمية أخذت في هذا الموقف بالحسبان حجم الخسائر التي قد تمنى بها إذا تصاعد الغضب التركي. فتركيا, في نظر إسرائيل, ليست مجرد مكان الاصطياف المفضل وإنما هي الشريك الاستخباري المميز والحليف العسكري القوي والسوق المفضل للصناعات العسكرية. ويسيل لعاب الصناعات العسكرية الإسرائيلية في كل عام أمام قائمة المشتريات التحديثية التي يريدها الجيش التركي والتي لا تقل عن سبعة مليارات دولار.
ولهذا السبب حاولت القيادة الإسرائيلية التعامل بحذر شديد مع المواقف التركية وعلى أمل كبح التدهور. ولكن سرعان ما تبين لها أن التغييرات الجوهرية في تركيا أصابت الجيش نفسه الذي لم يعد حصيناً في مواجهة تنامي النزعات الإسلامية في هذه الدولة. وألمح عدد من الخبراء الإسرائيليين إلى أن ضباطاً متدينين باتوا يحتلون مناصب عليا في الجيش التركي وأن ظاهرة كالتي تعيشها إسرائيل ذاتها باتت قائمة في تركيا.
وهكذا فإن ما كان يعتبر مجرد «إشارة حمراء» صار أكثر من ذلك بسبب اتساع رقعة التلاقي بين الجيش والحكومة التركيين. فتركيا العلمانية كانت قمعية بسبب اختلال التوازن السلطوي لمصلحة الجيش في حين أنها غدت أكثر ديموقراطية بحدوث التوازن أو حتى بتحوّل دور الجيش إلى حام للديموقراطية وليس للعلمانية. كما أن تحسّن العلاقات التركية مع الدول العربية خاصة سوريا وتعاظم قوة تركيا الإقليمية وتراجع الهيمنة الأميركية على العالم أضعف بشكل بارز العلاقات مع إسرائيل.
وكلما اتضحت هذه الصورة استشاط بعض الإسرائيليين غضباً, وصاروا أقل حرصاً على أخذ المشاعر التركية بالحسبان. فالتحريض الإعلامي في إسرائيل على تركيا خرج عن كل حدود ولم يعد قاصراً على المواقف التركية الراهنة بل هناك من يطالب بإعادة النظر في اعتبار الدولة العثمانية دولة متسامحة تجاه اليهود. وهناك من يستذكر أن اليهود في تل أبيب التي كانت أصغر من قرية صغيرة أخليت بأوامر تركية استعداداً لمواجهة القوات البريطانية الغازية القادمة من مصر في الحرب العالمية الأولى.
غير أن الاتجاه نحو التظاهر بالأنفة والتأكيد بأن الخاسر الأكبر جراء التدهور في العلاقات هي تركيا وليس إسرائيل هو اتجاه يتعزز. ومما لا ريب فيه أن التحريض الإعلامي على تركيا سيقود إلى تنامي مظاهر الاستعلاء والغطرسة. ويشارك اليوم العديد من كبار المعلقين الإسرائيليين في الحملة على تركيا واصفين إياها بالعائدة للعب دور «رجل أوروبا المريض» أو بالخاسر المناوب. ويثق كثير من المعلقين بأن أميركا أو اللوبي الصهيوني في أميركا سيجد سبيلاً لمعاقبة تركيا على تجرؤها على إسرائيل. واليوم بعد المصالحة التركية الأرمنية الرسمية ثمة من سيفتح في أميركا وإسرائيل ملف المجازر الأرمنية. وكتب يعقوب أحيمئير في «إسرائيل اليوم» أنه «يقال إن هتلر استمد تشجيعاً أيضاً من عدم مبالاة العالم لقتل الشعب الأرمني كي يأمر بتنفيذ القتل لشعبنا».
ولكن كثيرين بدأوا يتحدثون حتى عن معاقبة تركيا سياحياً في حين أن حجم السياحة الإسرائيلية في تركيا حوالى 2 في المئة وهو حجم يمكن تعويضه بسهولة كبيرة. ولكن في كل الأحوال انهار المدماك الأخير الذي كان لإسرائيل في نظرية دول المحيط غير العربية. وليس هناك من يضمن أن دول الطوق العربية ستبقى بمنأى عن التغيير في العلاقة مع إسرائيل.
|