|
في 30 كانون الثاني 2005، أطلق أول حزب «أخضر» في لبنان: «حزب البيئة اللبناني». وفي 20 آب 2008، لحقه حزب آخر، هو «حزب الخضر اللبناني».
ترافقت نشأت الحزبين مع جدالات، واتهامات وإشكالات لم تنته حتى اليوم. ولملاحظة هذه المشاكل بينهما، يكفي قراءة بيان حزب البيئة، في شباط الماضي، الذي ينتقد فيه اللوحات الإعلانيّة المنتشرة على الطرقات، الخاصة بحزب الخضر، والتي يدعو فيها الناس إلى الانتساب للحزب.. «قبل ما تصبح الجغرافيا تاريخ». وملخّص البيان أن هذه الإعلانات تشوّه البيئة، وتشجّع على الروح الاستهلاكيّة، داعياً إلى نزعها وزرع الأشجار والنباتات مكانها.
وبعيداً عن مشاكل بين الحزبين، التي ربما كانت غير بعيدة عن الانقسام السياسي، نسأل عن الشباب فيهما..
[[[
«حزب البيئة اللبناني يعاني من مشكلة استقطاب الشباب ليكونوا ضمن صفوفه». تختصر ميادة عبد الله، 29 سنة، الناشطة وعضو اللجنة التنفيذيّة في الحزب، العلاقة الجدليّة بين الشباب والحزب. وتعدد عبد الله، العضو الأصغر سنّاً في الحزب، أسباب غياب النبض الشبابي: «نحن نعمل على رسم سياسات عامة، أما الشباب فتجذبهم الأعمال الميدانيّة. وقد يكون مصطلح «حزب» يشكّل «نقزة» لدى الشباب. إضافة إلى غياب الحس التطوعي لديهم، وغياب الوعي البيئي بشكل عام».
حاول الحزب كسر هذا الجمود، عبر محاولات استقطاب للشباب، منها القيام بإعداد دليل المتخرّجين البيئيين في لبنان، الذي جمع كل المعلومات عن الاختصاصات ذات الارتباط بالبيئة. «أطلقنا الكتاب، ورغم ذلك لم يهتم أحد».
أما تجربتها البيئيّة الشخصيّة، فهي بدأت منذ أيام الجامعة. لم يمثّلها أي حزب. يساريّة التوجّه. شاركت بنشاطات منظمة «غرين بيس»، ولكنّها لم تقتنع بطريقة عملهم. «عملها إعلامي أكثر». ومنذ مطلع العقد الحالي، انضمّت عبر أحد أصدقائها في العمل، إلى «الهيئة اللبنانيّة للبيئة والإنماء»، التي جذبتها بعملها للدفع نحو سياسات خضراء، وتحديداً «معالجة السبب وليس النتائج». ولاحقاً، أصبحت عضو الهيئة الإداريّة في الجمعيّة. والآن، تشغل أمانة السر فيها.
انضمّت لحزب البيئة، كونه مدنيا، علمانيا، يساريا، ولأنه، بالنسبة لها، «البيئة والسياسة لا تنفصلان. وأيضاً، هويّتها العربيّة، هي جزء من العالميّة. «كل شيء متصّل ببعضه. التغيّر المناخي يطال الجميع. ذوبان جبال الثلج في القطب الشمالي قد يؤدي لاختفاء بيروت..!».
ليست البيئة وحدها مجال نشاط ميادة. فهي تنشط، إضافة إلى عملها الحزبي، في عدد من منظّمات المجتمع المدني، ذات الصلة بمفاهيم الديموقراطيّة، العلمانيّة، حقوق المرأة، المواطنيّة، وغيرها. في النهاية، البيئة أسلوب حياة. و«لا سياسة نظيفة، يعني، لا بيئة نظيفة».
[[[
بمجرّد أن تلتقي أحد ناشطي حزب الخضر، ومسؤول الهيئة الطلابيّة في الحزب، يمكنك أن تعرف أن علاقة «الخضر» بالشباب، مختلفة عن نظيره «البيئة اللبناني».
يُفاخر علي الحلس (22 سنة)، بأنّ نسبة الشباب الذين تقل أعمارهم عن الثلاثين، يشكّلون حوالى 70% من أعضاء الحزب. وهذا ما أدّى إلى إنشاء قطاع طلابي شبابي فيه، موزّع على أغلب الجامعات اللبنانية، الخاصة والرسميّة، ولكنّه تواجد يظلّ ضمن الإطار الفردي ـ الشخصي، ولم يرتق بعد إلى مستوى العمل المؤسساتي الحزبي، إلاّ في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث يدرس الحلس.
ويبدو أن الحزب يريد دخول المعترك السياسي، انطلاقاً من المشاركة في الانتخابات الطلاّبية العام المقبل. توجه يعيدك إلى إعلان الحزب في مؤتمر تأسيسه بأنه سيكون «أداة ضغط» وليس هدفه «الوصول إلى السلطة». وهنا تطرح إشكالية التحول من جمعية تعمل ضمن إطار الضغط المدني، إلى حزب سياسي، عادة ما يكون هدفه الوصول إلى السلطة، لا سيما أن من بين الكوادر المؤسسة للحزب أعضاء في أحزاب سلطويّة أخرى. وإشكالية أخرى هنا حول الانتماء الحزبي المزدوج داخل «الخضر»، ومدى جديّة القضية التي يعمل عليها الحزب.. هي أسئلة برسم الخضر..
لنعود إلى الحلس. عندما دخل الفتى الى الجامعة، فكّر باختصاص ما يكون له مستقبل مهني فيه، فاختار «الصحة البيئيّة». قبلها، كان عمل مع «غرين بيس»، التي تبدو كمعبر للشباب إلى القضيّة «الخضراء»، حوالى أربعة أشهر.
وهذه الفترة القصيرة كانت كافية لدفعه نحو العمل مع منظّمات بيئيّة أخرى، خصوصاً أن «غرين بيس» في منطقة «المديتراني»، تحدد عملها بالدفع لإنشاء محميّات بحريّة في البحر الأبيض «المتوسّخ»، حسب حملتهم!
لكن، هذه الأهداف المحدودة لم تمنعه، في آذار الماضي، من تأسيس أول ناد جامعي لها في لبنان. جذب النادي طلاباً أكثر مما توقّعه المؤسس. انتسب حوالى مئة طالب. ولكن هذا العدد ينخفض إلى الربع، عندما «يأتي وقت الجد». ويرجّع ذلك، «إلى عدم جديّة بعض الطلاب، وسعي البعض الآخر إلى تحسين السيرة الذاتية الخاصة بهم (CV)، ففي النهاية، غرين بيس منظمة عالميّة».
[[[
يبدو أن الكثير من المفارقات تطغى على الحزبين. حزب يغيب عنه الشباب، وآخر يطغى عليه الطابع الشبابي. والاختلاف بينما يصل إلى لغة تواصل كل منهما مع الناس. فالموقع الالكتروني لحزب البيئة لم يُحدّث منذ عام 2007، بينما الموقع الالكتروني للـ«خضر» يُحدّث بشكل دوري، وشكله أكثر ديناميكيّة.
كما أنّ لشباب «الخضر» قدرة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أكبر، حيث يمكنك العثور على مجموعات خاصة بالحزب على شبكة «فايسبوك»، بينما يغيب «البيئة» عنها. من دون أن ننسى تفاوت القدرات الماليّة بين الحزبين، حيث يضم «الخضر» مجموعة من المتموّلين الكبار، عكس «البيئة» الذي يفتقر للتمويل والإمكانات الماديّة.
|