 |
| نلوث البحر.. ثم نهرع لتنظيفه (م.ع.م) |
|
|
|
|
|
|
|
هاني نعيم
في هذه البقعة الصغيرة، من الكوكب البائس، تستحوذ السياسة على مشهد الحياة اليوميّة. السياسة بزواريبها في كل الزوايا: البيت، المدرسة، الجامعة، الشارع، سيارة التاكسي، الدكان، وفي غرف النوم.. وأيضاً تستحوذ على الناس: ماضيهم، حاضرهم، ومستقبلهم. ويرافق هذا الاستحواذ تغييب لأي نقاش آخر بين الناس، أكان اجتماعياً، أم اقتصادياً، أو ثقافياً. وإن برز أي نقاش في هذا الإطار، فهو يُطرح ضمن الاستقطاب السياسي، بعيداً عن الخوض بأعماقه، وتأثيراته، وأبعاده.
لكن، تحت «رماد» الاستحواذ والاستقطاب هذا، «جمر ما» يشتعل. قضايا مصيريّة، يوجد من يحملها، يدافع عنها، ويتطرف لها. هذا ما قد ينطبق على «المناضلين الخضر»، الذين نسمع أصواتهم، عند كلّ منعطف مصيري يهدد كوكبنا المهدد بألف كارثة وكارثة. من تلوّث الهواء والبحار واليابسة، إلى القضاء على «رئة العالم»، وصولاً إلى ذوبان الثلج في المحيطات المتجمّدة، مروراً بالاحتباس الحراري، والنفايات النووية السامة للدول، وإمكانيّة نضوب الطاقة المستخدمة، دون وجود بديل واضح لها، واحتمال اختفاء مناطق بأكملها عن الخريطة خلال العقود المقبلة.
ومع بروز حزبين سياسيين، يحملان البيئة، كقضيّة أسياسيّة لهما، على الساحة اللبنانيّة، في العقد الأخير، إضافة لمنظمات بيئيّة عالميّة تتخذ لبنان مركزاً إقليميّاً لها، وللائحة تضم مئات الجمعيات البيئية المحليّة، يطرح الكثير من الأسئلة حول «القضية الخضراء» في لبنان.
المناضلون الخضر هنا. في كل مكان. رغم اختلاف تجاربهم، وتوجهاتهم، وأولويّاتهم، فهُم يناضلون في حيّز مشترك هو هذا الكوكب البائس. أما القضيّة التي يتشاركونها فهي حماية كوكبهم من التلوّث والصحارى التي تجتاحه، من كل الاتجاهات.
ولكن هل قلتَ مناضلون خضر في بيروت؟ مدينة التيارات الفكريّة، والثقافة، والحريّات! مدينة العنف الطائفي المسلّح، يوميات حرب الشوارع، مدينة الحواجز النفسيّة التي تضاهي جدار برلين! غابة الباطون المفخخ، وجبال «الزبالة» والنفايات السامة. جبال لبنان؟ الكسارات التي تنهش ما تبقى منها؟ النار التي تلتهم ما تبقى من أخضر على سفوحها. الناس غير الآبهين إلاّ للقمة عيشهم، وجحيمهم اليومي؟ الطوائف التي تحفر خنادق الغد، وتزرع الكره الأبدي؟ قضيّة خضراء بين طوائف تتسلّح بالكره والبارود والرعب..
أسئلة نتركها جانباً، لنبحث في إشكاليّات كثيرة تطرح حول «القضية الخضراء» في لبنان: من هم مناضلوها؟ وما مدى جديّتها؟ وما هو مستقبلها؟
الجواب ليس عند أحد، إلاّ لدى هؤلاء «الشباب الخضر» الذين ترتبط إجاباتهم بمدى جديّتهم وصدقهم، واستعدادهم للتضحية من أجل القضية التي آمنوا بها، واعتبروها مساوية لوجودهم وللمصير الإنساني برمّته.
|