الأرشيف

مؤلف «تاريخ السعودية» و«مصر والمصريون» و«جسر على البوسفور» و«الخليج العربي في العاصفة»

المستشرق فاسيليف خرج من التحديد الماركسي وفهم أثر الشخصية والدين في التاريخ

الألماني كارل هوفر (1878 ـ 1955)

فالح حمراني

جمع المستشرق الروسي المعروف الكسي فاسيليف في اهتماماته الصحافة والتحليل السياسي وظهر عالما اكاديميا يؤدي مهام دبلوماسية، ومن خلال محاضراته مربيا لذهنية جيل جديد من المنتظر ان يسعى مثله للبحث عن الحق والحقيقة سعى هو لبلوغها في الشرق الاوسط وافريقيا. وامضى فاسيليف اكثر من 50 عاما في متابعة ودراسة احوال المنطقة وسياسات بلاده المتقلبة حيالها، وساهم هو ايضا في صياغة المواقف المطلوبة. وفاسيليف الذي احتفلت الاوساط العلمية الاستشراقية بميلاده السبعين مؤخرا هو الآن بالاضافة الى كل ذلك ممثل خاص لرئيس روسيا الاتحادية للاتصال بزعماء الدول الافريقية وهو ايضا مدير معهد افريقيا وعضو ـ مراسل في اكاديمية العلوم الروسية، دكتور العلوم التاريخية، بروفيسور.
احب فاسيليف البلاد التي نشط فيها فكتب بود وتعاطف عن اهلها وتاريخها وتطوراتها التحقيقات والبحوث والمقالات والدراسات الاكاديمية. وكلما اماط المتحف البريطاني اللثام عن ملفاته السرية سارع الى لندن ليتعرف الى اسرار جديدة في حياة الشرق الاوسط وما دار خلف كواليس السياسة وما دُبر من مكائد وصفقات وراء ظهر الشعوب لصالحها او لضدها، ليعطي حكما وتصورا جديدا.
وفاسيليف بالتالي هو تلميذ نموذجي لمدرسة الاستشراق الروسية العريقة التي سعت لدراسة الشرق ليست لدوافع استعمارية او استحواذية وانما لمعرفة الآخر من اجل وتحديد افضل الاساليب للتعاطي معه والاستفادة من خبرته ثقافيا وحضاريا.
عشق مصر فكتب عنها «مصر والمصريون»، وتعلق بتاريخ المملكة العربية السعودية وتغلغل بسر نجاحات قادتها، فأصبح خبيرا عميقا بشؤونها.
محطات
ولد فاسيليف في 26 ابريل 1939 في مدينة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) في عائلة موظف حكومي. والتحق عام 1956 في معهد العلاقات الدولية التابع لوزراة الخارجية الروسية وامضي فترة تدريب في جامعة القاهرة ( 1960ـ1961). واكمل عام 1962 قسم الشرق في معهد العلاقات الدولية وجرى تعيينه في صحيفة «برافدا» لسان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي المنحل، بصفة مساعد للمراقب السياسي.
وعلى حد قول زميله المراقب السياسي فسيفولد اوفتشينكوف: ان الكسي فاسيليف منذ ايام الدراسة ربط حياته وابداعه بالشرق العربي ولا سيما بمصر ودرس في الجامعة المصرية. وقبل ان يصبح مراسلا لصحيفة البرافدا بمصر ( 1975 ـ 1979) تعين عليه العمل عدة سنوات تحت وابل القنابل الاميركية في فيتنام (1967ـ (1971 ومن ثم مديرا لمكتب صحيفة برافدا في تركيا (1971 ـ 1975) وتغطية التطورات بافغانستان وايران ودول الخليج، ومن تركيا وعبر سوريا وقف على الجبهة الامامية للحرب العربية الاسرائيلية عام 1973
وبعد عودته لموسكو عمل في ادارة الصحيفة وسافر مرات عديدة للخارج ليشارك بتغطية التطورات في المنطقة.
وظل من 1979 الى 1983 مراقبا سياسيا للقضايا الدولية في صحيفة البرافدا.
ومنذ الايام الاولى من عمله في البرافدا جمع فاسيليف بين الصحافة والعمل الادبي والبحث العلمي الاكاديمي الخالص. ودافع في عام 1966 عن رسالته لنيل درجة مرشح العلوم في معهد الاستشراق التي كان عنوانها «الوهابية واول دولة سعودية في الجزيرة العربية». وفي عام 1981 دافع هناك عن رسالته الثانية لنيل دكتوراه بالعلوم التاريخية والتي كان عنوانها «التطور الاجتماعي والسياسي المملكة العربية السعودية للفترة من 1745 الى 1973». وعين عام 1992 مديرا لمعهد افريقيا. وفاسيليف مؤلف 30 كتابا واكثر من 800 مقالة نشرت في المجلات العلمية والسياسية الروسية والاجنبية، بما في ذلك العربية.
وكانت من بين اعماله الشهيرة «تاريخ المملكة العربية السعودية» الذي كان له صدى واسع في المملكة والدول العربية عموما، و«مصر والمصريون» و«جسر على البوسفور» و«الخليج العربي في مركز العاصفة» و«السياسة الروسية في الشرق الاوسط من التبشيرية الى البرغماتية» و«التحديات السياسية والاقتصادية في آسيا بعد العصر السوفياتي» و«رحلة الى الجزيرة العربية السعيدة» و«بيبليوغرافيا العربية السعودية» وغيرها.
وهو بالاضافة لكونه مدير معهد افريقيا، يترأٍس تحرير مجلة «آسيا وافريقيا اليوم» ويشرف على عمل مركز الدراسات الاقليمية والحضارية، ويترأس الإعداد لسلسة «تاريخ بلدان افريقيا» «والاديان بافريقيا... ويشارك سنويا في اعمال مختلف المحافل العلمية الدولية ويتلقى الدعوات لقراءة المحاضرات في الجامعات الاميركية والانكليزية والايطالية والفرسية والسويسرية والمصرية والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت وغيرها من البلدان. وتستفيد الحكومة الروسية والبرلمان وزارة الخارجية من خبراته ومؤهلاته المهنية.
مصر والمصريون
اعترف الكسي فاسيليف في حوار مع مراسلة إذاعة «صوت روسيا»، بأن مصر هي موضوعه المفضل: وقال «لقد عشت في هذا البلد سنوات كثيرة، ولدي عدد كبير من الاصدقاء هناك. ومجموعة من كتبي قد تـُرجمت الى العربية، ويعتبرونني في مصر جزءا من الاسرة الفكرية المحلية. اما ما يتعلق بالقارئ الروسي، الذي خـُصِصَ له هذا الكتاب، فانه قد حدث انفجار في الاهتمام نحو مصر، حيث يسافر الى هناك حوالى مليوني سائح سنويا». ويضيف الكسي فاسيليف قائلا: «إذا ما تصورنا، أن 1% من أولئك الذين يذهبون الى هناك لا يهتمون بالشواطئ والشمس فقط ، بل كذلك بالبلد نفسه وثقافته وحياته الدينية وتاريخه وناسه، فانه سيكون من المهم معرفة هذا الجزء عن مصر والمصريين. والكتاب المُجَدد هو ثمرة اتصالات على مدى سنوات كثيرة وملاحظاتي في ذلك البلد. ويمكن ضم هذا الكتاب الى النهج العلمي ـ الفني، لاسيما عندما يجيب المرء من الجانب الاول على دقة الحقيقة وتقييم الوقائع والمجتمع، اما من الجانب الآخر، فانه يلخص ذلك بشكل ادبي وفني، وتخلق اللحظات والاقتباسات الجذابة، من خلال الاعتماد على تلك المعارف التي قد اكتسبتها خلال عشرات السنين من دراسة هذا البلد.
لقد زرت في وقت ما رئيس تحرير صحيفة «اخبار اليوم» جمال الغيطاني ورأيت في مكتبه صورة للكاتب الروسي انطون تشيخوف. وبالتالي قال وهو يشير الى الصورة: انه كان احد معلميّ! انني كنت فخور بذلك!
وكتب فاسيلي «مصر والمصريون» الذي نُشرت مؤخرا طبعته الروسية الثانية المنقحة، على شكل دليل في الروح المصرية، في مجتمع مصر وتاريخها واديانها. وهو عمل يتميز في الوقت نفسه بالروح العلمية والدقة.
عاش المؤلف فترة طويلة بين المصريين، وعقد هناك صداقات حميمية، وسعى الى ان يفهم ويستوعب طبيعة حياتهم وفلسفة حياتهم، ومنطق سلوكهم. ويقود فاسيليف قارئه بشوارع القاهرة ويتقصى طبيعة الشعب المصري ويصف عاداته التي التزم بها على مدى آلاف السنين وفي الوقت نفسه يرصد المتغيرات بين ضفتي النيل. فكان نافذة واسعة للقارئ الروسي على مصر.
ويتحدث فاسيليف في كتابه «مصر والمصريون» عن لقاءته بما في ذلك مع توفيق الحكيم وموهبة المصريين بادارة الحديث خاصة مع الاجانب. وكرس احد فصول كتابه لاخوان المسلمين ووضع له عنوان «الشرق هو الشرق». ويرى فاسيليف انه من دون فهم انشطة الاخوان المسلمين يستحيل فهم الوضع السياسي والاجتماعي في مصر حاليا. ويعتقد فاسيليف ان التزام غالبية الشعب المصري وربما ليس وحده، بقيم الاصولية الاسلامية يعود الى «انه نتيجة الازمة الموقتة التي تمر بها الحضارة الاسلامية في ظل تطور الراسمالية الوحشية فان الناس لحماية شخصياتهم يضعون انفسهم في اطر تقاليد الطائفة من اجل حماية هويتهم والاعتصام بثبات اخلاقي ـ سيكولوجي اكثر فهذا يسهل عليهم العيش والبقاء على قيد الحياة».
ويقول فاسيليف «شهدت مصر على مدى تاريخها اطول تاريخ في العالم، نهوضا لمجد ان لم يكن عالميا فهو اقليمي، كما شهدت دمارا واذلالا، وتغير وزنها وتأثيرها باستمرار». واذ تحولت في فترات الى دولة قوية عسكريا، وفي فترات كانت مستعمرة عديمة الحقوق لدول قريبة او بعيدة». واعترف فاسيليف بانه اعاد كتابة في الطبعة الجديدة الفصول المتعلقة بسياسة الانفتاح التي دشنها الرئيس الراحل انور السادت، مفسرا ذلك بخروجه من «الماضي الماركسي».
الملك فيصل
ويختتم فاسيليف كتابه بالقول:
ويمكن ان يظهر في بلاد النيل مفكرون وقادة سياسيون على مستوى تحديات العصر. وسيجد الشعب المصري طريقه للتطور والتقدم. وتبقى ضرورة القدرة على الانتظار، والتحمل. وليس امامنا سوى ان نكرر وراء الفلاح المصري «الصبر خير».
ودفع الكسي فاسيليف: مؤخرا كتابه الجديد «الملك فيصل. الشخصية و العصر والإيمان للطبع وسيصدر في آن واحد بثلاث لغات. وسترى نسخة الروسية النور بعد ثلاثة أشهر، كما تمت ترجمته الى العربية والانكليزية».
وفي معرض رده على سؤال خلال حديثه ادلى به لاذاعة «صوت روسيا»، عما جذب الكسي فاسيليف في شخصية المغفور له الملك الراحل فيصل؟ اوضح: «يعد هذا السؤال بسيطا ومعقدا في وقت واحد. عندما كتبت كتابي «تاريخ العربية السعودية»، كنت على كل حال تحت تأثير محدد للمفاهيم الماركسية تجاه التاريخ، لكني اليوم خرجت من التحديد الذي فرضته الماركسية على التطورات الاجتماعية، وأعتبر الآن ان شخصية الإنسان والحاكم والقائد ومعتقداته الدينية تؤثر على سير التاريخ بشكل لا يقل عن تأثير أي عامل اقتصادي واجتماعي. وبهذا يكمن مغزى شخصية الملك الأب ـ عبد العزيز بن سعود، الذي وحد بفضل قوة شخصيته وموهبته وسيفه ومهارة الحكم مختلف القبائل والمناطق المتناحرة والمتناثرة ليحولها الى دولة كبيرة، وهو مثال ساطع على ذلك. أما ما يخص الملك فيصل، فانه استطاع المحافظة على هذه الدولة واستطاع إيجاد أشكال الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، والخلافة والأنماط الخاصة للتطور الاجتماعي والاقتصادي، التي تروق لفئة ما وقد لا تعجب فئة أخرى. أما ما يتعلق بالمحافظة على الاستقرار في البلد، والتطور التي شهدته البلاد بالرغم من كل شيء، فان ذلك هو بفضل المغفور له الملك فيصل. والأمر الرئيسي بالنسبة لي كباحث يتلخص بإثبات أن النظام والاستقرار وتداول السلطة الذي وضعه الملك فيصل قد تمت المحافظة عليه حتى وقتنا الحالي. ونرى ان المملكة بلد يتطور باستقرار على مدى ثلاثين عاما تقريبا بعد رحيل الملك فيصل. ويعد ذلك بالنسبة لمثل هذه المنطقة التي يسودها التوتر كالشرق الأوسط بحروبه وغزواته ونزف دمائه المستمر إنجازا كبيرا.
وكان كتابه «تاريخ المملكة العربية» بطاقة مرور له للعالم العربي. فقد اثار الكتاب اصداء واسعة بما في ذلك في دوائر الرأي العام في المملكة.و قامت دار نشر «التقدم» السوفياتية حينها بطبعه مرتين لما وجدت من اقبال منقطع النظير عليه. والكتاب كما جاء في مقدمة الناشر هو حصيلة اكثر من عشرين عاما وقد اعتمد الكاتب الكثير من المصادر العربية والغربية والسوفياتية لوضع دراسة عن التاريخ السياسي للمملكة ومراحل تطور بنيتها الاجتماعية والسياسية وتأثير العامل النفطي وحركة الاصلاح الاسلامية في مجتمع المملكة وظهور طبقات وفئات اجتماعية جديدة فيها. والكتاب اليوم احد المراجع العامة بروسيا عن تاريخ المملكة.
لقد كان تناول الكتاب تاريخ ملحمة سطرها شعب وقادة، بكل ما فيها من مسرات واوجاع.
من التبشيرية الى البرغماتية
كان فاسيليف من اوائل المستشرقين الذين ادرك ان مصالح روسيا في الشرق الاوسط لن تزول بزوال الاتحاد السوفياتي وان الحاجة له لن تتبدد رغم ان القدرات والامكانات قد ضمرت بغياب الدولة العظمى. واجرى في عمله الكبير «روسيا في الشرقين الادنى والاوسط من التشيرية الى البرغماتية» مراجعة ومسحا تاريخيا طويلا لسياسة موسكو في الشرق الاوسط من المنابع وحتى هبوب العواصف في صحارى الغير، مسلطا الضوء على كافة جوانب تلك السياسة. وخلص فيها الى ان اصطفاف القوى الذي ترتب في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي يتطلب نهجا سياسة خارجية ازاء المنطقة الحيوية مستثمرة علاقاتها التقليدية بالدول العربية، سياسة محايدة للعرب و لاموالية لاسرائيل وتخدم مصالح روسيا فقط ومن الافضل الرهان على عدة احصنة في آن واحد على القوى الرئيسية في المنطقة حتى اذا اصبحت متنافرة من حين الى آخر.
وحذر ايضا موسكو من مغبة العودة الى سياسة المجابهة مع الغرب، ومن مطابقة مصالح روسيا ومصالح الولايات المتحدة والغرب عموما، منوها باختلاف مصالح الولايات وروسيا في الشرق الاوسط. ويضيف «ان التخلي عن طموح الدولة العظمى والمجابهة والافكار التبشيرية في سياسة الاتحاد السوفياتي ومن ثم روسيا في الشرق الاوسط يرغم منذ الان على اعادة النظر في الموقف من النزاعات بالمنطقة».
وليس غريبا ان نجد اصداء تلك المنطلقات اليوم في نهج السياسة الخارجية الروسية ازاء منطقة الشرق الاوسط.
ان فاسيليف يبقى ليس قيمة فكرية وسياسية واستشراقية روسية وحسب، فان اعماله يمكن ان تكون احد المصادر الهامة ليتعرف العربي الى ذاته وهويته وقدراته ويستشرف من خلالها تقييمات فاسيليف، لدى قراءة تاريخه وطبيعته الاجتماعية بموضوعية وحيادية وترو، عله يصل الى الحقيقة. حقيقة ذاته.
(موسكو)


جريدة-e
 
نسخة للطباعة إرسال المقال
نسمع اقتراحاتكم وتعليقاتكم
الأكثر قراءة في الموقع