الأرشيف

على الحافة

الرمزية البيئية والانتخابية


يتزامن موعد يوم البيئة العالمي هذا العام (الخامس من الجاري)، مع يوم الانتخابات النيابية المحلية (في السابع منه)، مع ملاحظة زيادة استخدام «الشكليات البيئية» في «البرامج الانتخابية» ومع صور المرشحين.
لم يعد ليوم البيئة العالمي من معنى، يوم عجز العالم منذ احياء هذا اليوم عن احداث اي تغيير جدي وحقيقي، تماما كما تعجز «حملة الازرق الكبير» عندنا كل سنة، عن احداث اي تغيير في معالجة قضية النفايات.
يتشابه يوم البيئة العالمي مع يوم الانتخابات عندنا في صفة رئيسية، وهي انهما كليهما، قد تحولا الى «يوم رمزي»، لا يقدم ولا يؤخر... لا بل يؤخر اي تغير او تحول حقيقي مطلوب. لقد تحولا الى وهم وعائق امام التحولات الحقيقية والتغيير الحقيقي.
تحول يوم البيئة العالمي منذ زمن بعيد الى يوم رمزي، يوم للملوثين اكثر منه يوم للبيئة والبيئيين! يوم معيق لأي تغيير مطلوب، كونه يوهم الناس بالاهتمام في القضية، في حين يتم استخدامه وتوظيفه لتبييض الصفحات والوجوه الملوثة. فكم من ملوث كبير في العالم وعندنا، بات يساهم بشكل او بآخر في تمويل حملات صغيرة او شعارات او برامج اعلامية واعلانية، او حتى تقارير تتحدث عن خراب البيئة؟ فما الذي تنتفع منه البيئة والناس المتضررون من تراجع نوعية الحياة وتهديد ديمومتها، عندما يمنح ملوث بعض الآلاف من الدولارات لتمويل حملات في مثل هذا اليوم (او غيره)، في وقت تكون شركاته ومصانعه وسياساته وممارساته الانتاجية والتسويقية والاستهلاكية تساهم في تدمير محيطات وطبيعة بكاملها لا تقدر بثمن ولا تعوض!؟
وكون يوم الانتخاب رمزيا أيضا، فهو أيضا يوم وهمي، يوم تتوهم فيه المجتمعات والناس ان هناك حياة ديموقراطية وثقافة ديموقراطية ونظاما ديموقراطيا... وحرية رأي وخيارات وامكانية المحاسبة والتغيير ... بينما بالفعل، هناك استغلال نفوذ وسلطة ومال، وتحصل تعيينات وتذكيات واختيارات من فوق وتكتلات مفروضة من خارج وشراء مقاعد وأصوات وشعارات بتمويلات ضخمة من داخل وخارج الحدود...الخ
فكما بات مستحيلا في ظل اقتصاد السوق العالمي المسيطر والحضارة الانسانية، المفرطة في انسانيتها، ان تعالج مشاكل البيئة، كذلك لن يتغير شيء في البنية السياسية الطائفية التقليدية المسيطرة في يوم انتخابي واحد، محسومة نتائجه سلفا، ومحكومة بالتوافق والتسويات (الدولية والاقليمية والمحلية)، وتقاسم المغانم والنفوذ، على حساب أي شيء آخر.
كما لم يعد لادخال الكلمات البيئية على برامج المرشحين للانتخابات من معنى، حين يكون العنوان الاساسي للمعركة، «تقرير المصير»، وحين تصبح المشاكل «وجودية» و«مصيرية» للجماعات البشرية المسماة «طوائف»، او «مذاهب» او «أقليات»...
واذا كان الافق الادنى المطلوب من المعركة الانتخابية، «تغيير النظام»، او الاستنجاد بمحاور اقليمية ودولية لحسم الصراع والدخول في «لعبة الامم»... يصبح البرنامج البيئي ومرشحوه، نكتة غير مضحكة. بالرغم من ان الصراع في جوهره، هو على الارض والموارد والبيئة، بشكل او بآخر، ولو تم الاستنجاد بما وراء الطبيعة والاساطير والالهيات.
ويصبح السؤال: من يكذب على من؟
ليس للبيئة مرشحون في هذه الانتخابات. ويبدو ان الغالبية مقتنعة بالاولويات غير البيئية التي يطرحها كل فريق، ويفترض ان تتوزع الاصوات وفق الاقتناع بتلك الاولويات. ولا معنى لان يكون للبيئة مرشحوها اذا لم يكن لها برامج وأفكار تقنع بها الناخبين بأنها هي نفسها اولوية، وأن سياساتها المقترحة، يمكن ان تساهم في ايجاد الحلول، لغير قضايا البيئة ايضا.
وما دامت الشعارات المستخدمة في هذه المعركة هي دائما مصيرية، كما في كل معركة منذ تأسيس هذا الكيان السياسي الهش المسمى «لبنان»، فإن السؤال الاضافي الذي يمكن ان تطرحه القضية البيئية: ما هو اخطر، من الناحية الوجودية، انقراض عائلة سياسية تقليدية ما عن الخارطة السياسية في البلاد، معروف مدى مساهمتها التاريخية في تحديد مسار طائفة او فئة معينة، ام انقراض نوع ما في الطبيعة، او حشرة ما، لا يعرف تماما مدى مساهمتها في التوازن البيئي ولا دورها في النظم الايكولوجية؟
صحيح ان هذا السؤال يبدو كاريكاتوريا الآن في ظل اشتداد المعركة الانتخابية، قبل اقل من اسبوع على بدايتها، الا ان المعركة الانتخابية نفسها، كما يوم البيئة العالمي، لا يخلوان من الكاريكاتورية ايضا.

إقرأ للكاتب نفسه

جريدة-e
 
نسخة للطباعة إرسال المقال
نسمع اقتراحاتكم وتعليقاتكم
الأكثر قراءة في الموقع