الأرشيف


حملة «أنقذوا البيضة».. ضد هدم قبّة سينما «سيتي سنتر»

تمثال الشهداء في وسط بيروت، وتبدو خلفه قبة سينما «سيتي سنتر» (بلال قبلان)


«بيروت سيتي سنتر» الذي صممه المهندس جوزيف فيليب كرم، عام 1965، في وسط بيروت، لم يتبقَ منه اليوم سوى قبة متصدّعة تحمل آثار الحرب الأهلية على جدرانها. وعلى الرغم من ذلك، تحولت هذه القبة البيضاوية الشكل إلى معلم سياحي بنظر معظم اللبنانيين. ولكن قطعة الأرض التي يقف عليها هذا المبنى التراثي بيعت مؤخراً. ولذا سوف تستبدل القبة الحالية، التي تحمل ذكريات جميلة عن أجدادنا وأهالينا، بناطحة سحاب ربما تضم فندقاً أو مبانٍيَ للمكاتب.
القبة هي نفسها «البيضة» في الشعار الذي رفعته دانيا بدير: «أنقذوا البيضة. تحركوا الآن.. لا لشهيد آخر في ساحة الشهداء». هي لم تكن تعلم أن «البيضة» هذه تعني الكثير لآلاف الشبان والشابات. لكنها اكتشفت ذلك مؤخراً، بعد تجربتها الخاصة.
بدير الطالبة في الجامعة الأميركية في بيروت، تدرس اختصاص «تصميم غرافيكي». اختارت هذه الفتاة أن يتناول مشروعها الجامعي قصة القبة، بعدما علمت أنها سوف تهدم لتستبدل بمبنى آخر، ضمن مشروع تحديث الوسط التجاري لبيروت. «في كل مرة كنت أمر فيها من المكان، كان والداي يسردان لي أجمل ذكرياتهم داخل هذه السينما. هذا الأمر دفعني إلى التعلق بها، واعتبارها واحدة من معالم لبنان السياحية، خصوصاً انها الوحيدة المتبقية من بيروت القديمة. لاحقا علمت ان «البيضة» ستستبدل بفندق أو مبنى للمكاتب، وكأننا بحاجة بعد إلى هذه المباني»، تقول بدير التي لا تتحمل فكرة تهديم «البيضة»، بل تتمنى ان يعاد ترميمها والمحافظة عليها.
إطلاق الحملة
بما أن موقع «فايسبوك» الشهير تحول إلى أسرع وسيلة لنشر المعلومات وتحديثها، اختارت بدير أن تطلق حملتها من خلال مجموعة أنشأتها على الموقع بعنوان: «أنقذوا البيضة». بدأت المجموعة بمئتي عضو فقط، لكنها باتت تضم اليوم ما يقارب خمسة آلاف عضو، «الأمر الذي زادني اهتماماً بالدفاع عن «البيضة»، خصوصاً أن المجموعة أظهرت ازدياد عدد المهتمين بها، داخل لبنان وخارجه».
وتشرح بدير وجهة نظرها فيما يتعلق بالمشروع: «من المشجع أن نجد هذه الثقة التي يضعها المستثمرون بالاقتصاد اللبناني، لإنشاء مشاريع جديدة. والتحرك ليس ضد مثل هذه المشاريع، بل لرفض ان يخضع جزء من هويتنا وثقافتنا للبيع. إنها إهانة لأي لبناني يقبل بانتهاك تراثه..».
وتؤكد بدير أنها ومجموعة من المتطوعين المهتمين، من مهندسين، فنانين، مصورين وإعلاميين، في صدد تنظيم مظاهرة بالقرب من «البيضة»، للتعبير عن رفضهم لمشروع استبدالها بمبنى آخر. كذلك، سيقام حفل موسيقي للغاية نفسها. وتشدّد الفتاة الجامعية على ضرورة تنظيم تجمعات في المكان، «لإثبات وجودنا وموقفنا، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات».
وتلفت بدير إلى أن استبدال «البيضة» يأتي ضمن مشروع «بوابة بيروت»، الذي يتولى تنفيذه وتسويقه «بيت أبو ظبي للاستثمار». وكانت بدير قد أجرت مقابلة مع أحد المعنيين بالمشروع، أثناء متابعتها لقضية القبّة. وخلال اللقاء، أوضح الأخير «أن القانون اللبناني ينص على انه إذا اشتريت قطعة أرض تحوي هيكلاً ما، تذهب ملكية الهيكل إلى المشتري. لكن في الوقت نفسه، هناك أمنية من شركة «سوليدير» بأن تتم المحافظة على القبة كجزء من بيروت القديمة. ونحن نضع عدة أشكال هي قيد الدرس حالياُ. ومن المرجح ان تستبدل بمبنى ذي شكل يفوقها فنيّة، من دون انتزاع الروح منها». لكن مثل هذا الشرح لم يقنع بدير، فبرأيها أنه «بمجرد تدمير «البيضة» ستدمر روحها معها».
«تباً للمال...»
استقبل جدار مجموعة الحملة، على موقع «فايسبوك»، ردود فعل متـضامنة. ففرح مثلاً، ترى انه من الضروري أن ترمّم «البيضة» لتعود كما كانت، «كونها تعتبر معلـماً فنياً وثقافياً». الأمر الذي يوافق عليه جورج: «منظرها جميل وهي ملتصقة بهذا المبنى الطويل، يجب ان تبقى...». وتنضم سارة إلى حائط الجدال في المجموعة، لتؤكد على ضرورة ألا تستبدل المعالم التاريخية بمبان أخرى. فبنظر جورجيو مثلاً «البيضة هي الشيء الوحــيد المتبقي من وسط بيـروت القــديم، وهناك طريقــة واحدة لإنقاذها، من خلال تصنيف الأونيسكو لها كمعلم وطني!».
وبينما يقترح سامر تحويل المكان إلى بيت للأوبرا مثلا، يحبّذ بيار تحويله إلى مقهى ليلي. أما طارق فيجد فكرة مبتكرة، يطرحها ممازحاً: «يجب علينا أن نزين تلك البيضة لعيد الفصح». لكن هناك من يظهر ثورية أكبر في تضامنه مع «البيضة». فيوسف من كولومبيا يعبر عن حنينه لهذا المكان على طريقته: «تباً للمال، لم يعد هناك وجود للكنوز التاريخية في بيروت بسبب مشاريع المباني الجديدة، هيّا اعتصموا..». ويثني ليونيل على الفكرة، مقترحاً مكاناً مميزاً للاعتصام: «داخل القبة نفسها».
«فكّروا بالبزنس...»
في المقابل، هناك من يخالف فكرة وجود «البيضة»، ويؤيد مشروع استبدالها. باتريك مثلاً يقول إنه اطلع على المشروع الجديد وأعجبه كثيراً: «البيضة هي فوضى، ويمكن نقل فكرتها إلى مكان آخر. ضعوا الثــقافة على جنب وفكروا بشكل جديد للبنان، فكروا بالبزنس». الأمر الذي يثير غضب جورجيو فيرد عليه: «بسبب تفكير كهذا لا نستطيع أن نحـافظ على الأشياء الجميلة».
لكن سافين تمتلك رأياً آخر، فهي لا تريد رؤية أي شيء يذكرها بالحرب الأهلية التي عاشتها: «عندما كنت طفلة أمضيت وقتاً في الملاجئ أكثر مما أمضيته في بيتي، لا اعرف لماذا تريدون لهذا المبنى أن يذكرنا دائماً بالحروب». أما التعقيب النهائي فهو لمديرة المجموعة دانيا بدير: «لسنا ضد التجديد، ولا نصرّ على إبقاء آثارٍ تذكرنا بالحرب كما يقول البعض، لكن لا يجب كذلك أن نمحي تلك الآثار نهائياً، لأنها ستكون يوماً ما جزءاً من تاريخنا، مثلها مثل التاريخ الفينيقي والروماني... أو البيوت القديمة ذات القرميد الأحمر والنوافذ الخضراء».

إقرأ للكاتب نفسه

جريدة-e
 
نسخة للطباعة إرسال المقال
نسمع اقتراحاتكم وتعليقاتكم
الأكثر قراءة في الموقع