|
احمد مغربي
يملأ جسد الفنانة هيفاء وهبي الخلاء البصري في شريط »ما تقولش لحد« (من مجموعة »حبيبي أنا«)، كما تملأ الكلمات بياض الصفحة. الرجال أقل من فواصل، بما في ذلك المخرج أو المتفرج المفترض في الشريط عينه، فيقتصر حضورهم السريع على الافتتان بالجسد المغناج. ولا يبدون إلا مختلبي اللب حتى حين تتعاون أيديهم في حمله، من دون ان تملك يد أن تدعي أنها تحوزه أو تقتحمه. لا شيء سوى جسد هيفاء، كأنه يحتفي بنفسه. يفتتح الشريط عليه مُكرّراً، ويختتم عليه مُكرّراً (في رداء يشبه مايوه البحر) في لقطة الكأس التي تنتمي الى تاريخ قديم من تعامل الكاميرا مع الجسد الأنثوي وتسليعه وتنميطه. وكالعادة أيضاً، لقي الشريط ردود أفعال لم تتأخر في رشقه بالأوصاف التي باتت مألوفة في الحديث عن الفيديو كليب وعلاقته مع الأنثى والجنس راهناً، وخصوصاً على المستوى العربي. ويمكن الاستدراك بالقول إن ذلك النوع من النقد أخذ في الانحسار تدريجياً، وإن شريط هيفاء لقي الكثير من النقد الايجابي الذي لم يتيسر للكثير من الأعمال السابقة لتلك الفنانة.
ولا يعني ذلك أن الخيال المرتسم عربياً ولبنانياً حول هيفاء قد تبدّل بصورة كبيرة. فما زال حضورها »جدالياً«، إذا استعملنا أخف الألفاظ وقعاً، ويثير أخيلة وتهويمات لا يصعب تلمّس أثرها في الكلمات التي تستعمل في النقاش عن أعمالها، وكذلك الأمر بالنسبة لمجموعة من فنانات الفيديو كليب العربيات. لماذا؟ هل هنّ فعلاً يقدّمن أعمالاً ليس فيها سوى اللعب على جسد الأنثى وعريه؟ أم أن الأمر يتعلق بالأعين التي ترى إلى أعمالهن، وبالأحرى الثقافة التي تصنع الرؤية في تلك الأعين؟
ويصلح مثالاً على ذلك ما حدث قبل شهور قليلة في مملكة البحرين، حين ذهبت هيفاء لإحياء حفل غنائي. تحركت الطبقة السياسية، وعلت صيحة »الغيورين« على الأخلاق والدين، لمجرد أن هيفاء ستعتلي خشبة المسرح. ثم حُلّت الأزمة وانجلت الغمّة. استطاعت الفنانة أن تُحيي حفلة في البحرين شرط »تغييب« جسدها عن الأبصار وإغراقه بأقمشة الأثواب المحتشمة. إذاً، نَجَت القيم والتقاليد والأعراف الراسخة من »تهديد« جسد هيفاء، الذي باتت تُجرجره مُثقلاً بخيالات حضوره في أشرطة الفيديو كليب تعجّ بالإثارة، وهي صنعة التوهيم بالجنس بصرياً. أي قوة هائلة لتلك القيم الراسخة، بحيث يتمكن جسد غنوج من تهديدها بالتبدّد من العقول والخروج من التاريخ؟ كيف يمكن وصف هذه المهزلة الهائلة في الثقافة العربية الراهنة؟ ثمة تناقض مضحك.
إذ يفترض أن أهمية تلك »القيم« الأخلاقية الرفيعة، تأتي من قدرتها على حماية العقول والنفوس؛ فإذا بها واهية وفائقة الضعف، إلى حدّ أنها لا تستطيع حماية نفسها ولا ناسها؛ بل إلى حدّ أنه يمكن حمايتها بأثواب قليلة من قماش هشّ! وفي المقابل، فمن الواضح أن سلسلة من فيديو كليبات ليس فيها كثير من القماش، قد صنعت لجسد هيفاء (وهي نموذج قوي عن الافراط في استخدام التوهيم بالجنس والاتجار بصرياً بالجسد الانثوي في صناعة التلفزة) خيالاً قوياً بحيث يستحضر هوامات الجنس بمجرد حضوره.
وتعجّ تلك الأمور بالتناقضات التي تكشف التباس موقع الجنس ثقافياً في المجتمعات العربية؛ إضافة الى أنها تؤكد قوة استيلاء التلفزة على الاعلام العام راهناً. فمثلاً، يسير كثير من الكلام عن عري فاتنات الفيديو كليب العربيات. هل المشكلة فعلياً هي في ذلك العري بحد ذاته؛ أم في السياق الذي يأتي به، والذي يُظهر وَهَناً ثقافياً عن الجنس، يتخبط فيه صُناع الفيديو كليب وفاتناته والساعيات إلى الشهرة بالايغال في الاتجار بجسد الأنثى من جهة، والجمهور المتلقي ولحظته الثقافية العسيرة، من الجهة الأخرى.
إكزوتيكية بصرية للجنس
يلاحظ أن الكثير من فيديو كليبات التوهيم الجنسي وتجارته، تميل إلى صنع مشهدياتها بصورة اكزوتيكية لافتة. ثمة ميل إلى الافراط في استعمال مشهديات بعيدة عن مسار الحياة اليومية. تميل تلك الأشرطة الى صنع المشاهد »القوية« عن الجنس منازل الثراء الشديد، والرقصات المستوحاة من أفلام هوليوود ورقصاتها (خصوصاً القديمة نسبياً)، وكذلك أشرطة الفيديو كليب الغربي، والأوضاع التاريخية المتوهمة (خصوصاً الفرعونية) وأخيلة مخيمات الغجر وغيرها. وفي مثال شديد الدلالة والتناقض، دأبت مجموعة من تلك الفيديو كليبات المُحْتَقِرَة للجسد الانثوي على جعل الصعيد المصري كأنه مجموعة من أحياء »السوهو« في زمن الثورة الجنسية، أو »المناطق الحمر« في الحواضر الغربية راهناً. ويعطي ذلك نموذجاً عن نوع آخر من تعمّد الاكزوتيكية كمشهدية لبصريات الجنس عربياً.
ويُشبه ذلك كثيراً، فيديو كليبات تحصل على مشهديتها من لقطات حميمة في أفلام السينما المصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وخصوصاً تلك التي أدتها الممثلة القديرة هند رستم.
ولم توصف أفلام »الزمن الجميل«، بالعري، على رغم أن درجة انكشاف الأجساد الأنثوية فيها ليست أقل من الفيديو كليبات الراهنة، بل تبدو أحياناً أكثر جرأة. هل لأن الشارع في »الزمن الجميل« كان أكثر تقبّلاً للحضور المتحرّر للجسد الأنثوي فيه؟ لننظر الى التلفزيون مُجدداً، الذي يبث أفلام »الزمن الجميل« (وخصوصاً أفلام أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته وستينياته) تكراراً.
ظهرت ممثلات في تلك الأفلام في مشاهد جريئة، لكن الكثير منها يظهر على الشاطئ وفي منازل عادية (وأقل). في زمن كانت تلك الأمكنة تتقبل فعلياً نوعاً مشابهاً من حضور الأجساد الأنثوية فيها.
ولا يعني ذلك أن صنعة التوهيم واستغلال جسد المرأة ليست حاضرة في أشرطة »الزمن الجميل«. لننظر الى الشارع العربي راهناً، كيف يبدو حضور جسد المرأة راهناً، في ظل الصعود المتواصل لأسلمة الحياة اليومية؟ ألا يبدو ذلك الشارع غارقاً في مصادرة قوية للحضور »الطبيعي« للجنس؛ أي باعتباره شيئاً يومياً وعادياً وجزءاً من حياة البشر؟ ويقود ذلك الى سؤال بديهي: كيف يُتوقّع من جمهور ذلك الشارع »المُحجّب« والمقموع بفتاوى أسلمة الحياة اليومية، أن »ينظر« الى فاتنات الفيديو كليب؟
ثمة شيء آخر: تبدو كثير من الأجساد كأنها »تراوغ« تلك الأسلمة أيضاً! وربما ليس بالتقصد ولا بالتعمد، لكن كيف نقرأ تلك الجموع من الفتيات العربيات اللواتي يرتدين ثياباً تشبه تماماً ما يظهر في الشوارع الاوروبية، (وكذلك في مكياج الوجه) لكنها تضع الحجاب على رأسها؟ بالنسبة لبعض الأعين، ربما يبدو ذلك المشهد »اكزوتيكياً« أيضاً. شيء مزيج من قرون ماضية وعيش معاصر »يتقاطعان« (لنقرأ ربما يتصارعان) على الجسد عينه. هناك فتاوى يصعب عدم وصفها بالاكزوتيكية، كتلك التي طلبت أن تعمد الأنثى الى إرضاع من يتردد الى منزلها، كي تستطيع أن تخاطبه من دون حرج ولا حجاب!
وهناك فتوى وضع الباروكة فوق الحجاب. وفي الاتجاه الآخر، هناك من أفتى بأن ممارسة الجنس بين الزوجين لا تفرض أن يريا عريهما!
تترك تلك الأشياء انطباعاً قوياً بثقافة متخبطة إزاء الرغبة الجنسية، على رغم بديهية تلك الرغبة وعاديتها! ويرد الى الذاكرة كتاب »الثالوث المحرم« (لكاتبه بو علي ياسين) في الثقافة العربية، الذي لاحظ انه يأتي الجنس في طليعة المُحرّم عربياً. ربما يجدر البحث هنا، وليس في أشرطة الفيديو كليب، عن أسباب ذلك التخبّط المثير للأسى والضحك. واستطراداً، ربما ليس من المجازفة الربط بين الحرية النسبية للنساء في الشارع اللبناني، وأن تكون بيروت مصدراً لفاتنات التوهيم جنسياً في أشرطة الفيديو كليب العربية.
|