الأرشيف

دولة الطوائف والرئاسة 1926 ـ 2007: مرشحون ورؤساء 17

ميشال إده: «الماروني الأحمر».. والخبير المحلف في الملف الإسرائيلي

ميشال اده
إده مع الرئيس الراحل الياس سركيس عام 1980
ومع الرئيس الراحل سليمان فرنجية عام 1980

مادونا سمعان

رسم شخصية ميشال إده، كالبحث في جمع صفات تبدو للوهلة الاولى متعارضة، ثم تتبين انها صفات تتكامل بفعل الثقافة والإيمان.
فهو ابن بيت سياسي وليس وارثاً. حاك أرستقراطيته من ثورة قادته يوماً الى التظاهر في الشارع، وهو مؤمن بعد تجارب وبحث وتفكير. صنع لنفسه منها إيماناً خاصاً ولكنه عميق، بينما الثقافة عنده من البديهيات والمسلمات أو لعلّها سمة يحملها في جيناته منذ أن ولد. سمة تجعله مختلفاً عن غيره من السياسيين، فتراه يقرأ بنهم، ويتابع ويوثّق ما يراه مفيداً متنقلاً بين التاريخ والأديان والسياسة والاقتصاد... ومع كل هذا يبقى «الهاوي» الوحيد للسياسة بين مجموعة من المحترفين. هواية يمارسها يومياً عبر القراءة، وقد مارسها مرات عبر حقائب وزارية وترؤسه للرابطة المارونية. لكن أرستقراطيته من جهة، وثقافته من جهة أخرى قمعتا تلك الهواية مرات أخرى، حين رفض ان يرشح نفسه لمقعد نيابي، مجنباً نفسه التقيّد بالكتل النيابية او الالتحاق بسياسات رؤسائها، وتاركا لثقافته ومبادئه حرية التصرّف بأفكاره ومواقفه السياسية.
في ذلك اليوم من أيام صيف ,2004 كان ينتظر على شرفة منزله التي تغطي مساحة كبيرة منها مياه بحر عمشيت، وفداً من الشباب اللبناني المغترب. مثل هذا اللقاء او حتى غيره من اللقاءات، لا يستدعي ميشال ادّه الى تحضير ما سيقوله او ما سيرويه لضيوفه. فالثقافة التي تكاد هي أيضا تغطي البحر، والذاكرة التي مرّنها إده منذ الصغر، لا يمكن ان تخوناه في أي من اللقاءات، تماما كما لم تخنه حين صحّح لوفد روسي من الحزب الشيوعي التقاه في موسكو مغالطاته حول فكر لينين. لقاء مثل هذا، لا يتطلّب منه سوى عودة سريعة الى لوائح أطباق المطبخ الشرقي او الفرنسي لاختيار ما يحبّ أن يقدمه لضيوفه او ما تشتهيه نفسه في ذاك اليوم.
يجلس بين الشباب والصبايا، يسألهم عن البلدان التي هاجر أهلهم اليها، يخبرهم عنها لدرجة تستدعيهم الى سؤاله ما اذا كان قد مكث فيها طويلا. ثم ينتقل بعدها الى الحديث عن خطر إسرائيل على لبنان والطلب اليهم عدم الانجرار وراء الصورة التي يقدمها الغرب عموما عن الصراع العربي الإسرائيلي. وبين معلومة وأخرى، لا بدّ وان يلقي نظرة خاطفة على طبق ضيفه، ليغريه بسكب المزيد، واصفاً «عظمة» تلك الـ«sauce» حين «تنساب» على مكوّنات هذا الطبق... ليس في اهتمامه هذا أي نهم بالطعام بل إنه نوع آخر من الهوايات يجعل منه «ذواقة» ويحمله الى التدخل في تفاصيل التفاصيل، شأنه في أي أمر آخر.
حين غادر ذاك الوفد المنزل في عمشيت، تحدّث بعض من شبابه عن صاحبه بودّ وإعجاب... ذاك الودّ الذي يصل في أحيان كثيرة الى حدود الصداقة، يُحمّله إده الى معظم زوّاره. شيء ما، في شخصيته، يجعله قريبا من الجميع من دون تملّق. وهو أمر لا ينسحب على مقالاته وتصريحاته التي لا يمكن ان تحتمل التأويل.
لكنّ المحامي الذي دخل أربع وزارات غائب عن السمع اليوم. والسؤال عنه قد يأتي بإجابتين مختلفتين من موظفيه، إذ يتنقل بين لبنان والخارج باستمرار. حركة لا يجاريها حراكه السياسي المعهود، على الأقل في ما يتناسب وطرح اسمه كمرشح لرئاسة الجمهورية. ولعلّ أبرز ما يميّزه من بين المرشحين، إلمامه الواسع بالملف الإسرائيلي، تماماً كما هو ملم بشؤون وشجون الطائفة المارونية وقد تربّع لفترة من الزمن رئيساً لرابطتها. هذا ولديه فلسفته المارونية الخاصة التي جعلت منه يوماً من الأيام «الماروني الأحمر». الملف الاول، لا بدّ وان يجعل من اسمه مرشحاً مقبولاً من قبل سيّد «حزب الله»، فيما يبدو مؤكدا قبوله من قبل سيّد بكركي، الذي طلب تزكيته كرئيس للرابطة المارونية عام .2003 فكيف وقد أضاف الى الرابطة مؤسسة جديدة تعنى بالانتشار الماروني في العالم وهو «يخصها» بثلاث رحلات واسعة كل عام تشمل الولايات المتحدة الاميركية وكندا وبعض اوروبا.
«عميد الإيمان»
لم يلجأ إده يوما الى سياسة تدوير الزوايا، إذ تبدو الحلول الوسطى لديه قناعة تتأتى عن دراسة وثقافة، والأمر يكاد يخلو الا من استثناء واحد: الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ثقافته الواسعة هي التي تقوده على العموم، وهي التي صنعت منه سياسيا، على الرغم من ان عائلته اعطت عدداً من السياسيين ومنهم الرئيس إميل إده ونجلاه بيار وريمون والتي تستمر اليوم عبر كارلوس إده (إبن بيار) من جهة، كما أعطت من جهة اخرى ميشال إده جدّ ميشال إده، الذي منحه السلطان عبد الحميد لقب الأفندية بعد تعيينه ترجمانا لولاية بيروت عام ,1888 بينما كان إبراهيم إده جدّ ريمون ترجمانا لسفارة فرنسا في دمشق. وقد كان جدّ ميشال إده لأمه، أنطون بك ملحمة، أحد وجهاء بيروت، التي يفخر الحفيد بأنه من حفظة المارونية فيها. وقد بنى الجدّ مع منصور بك إده والد جدّ ميشال إده كنيسة مار جاورجيوس للموارنة قبالة اللعازرية، حيث نقلت اليها رفاة الجدّ الأول للعائلة.
ولد ميشال إده في 16 شباط ,1928 من والد لم يعمل في السياسة بل في الادارة، هو سليم، ومن أم تدعى إيزابيل ملحمة. تلقى تربية صارمة، وصلت الى حدود منع «الخرجية» النقدية عنه، طالما أن الوالد كان يؤمّن له كل ما يطلبه كطفل، فكان يحتسب ما يناله منه دينا عليه... وهو يروي أن والده لم يقبّله يوماً ولم يلاعبه كطفل بل كان يتعامل معه كرجل وهو تلميذ في المدرسة الابتدائية. وقد تابع دروسه في المدرسة اليسوعية ومن ثم في الجامعة اليسوعية حيث اختار دراسة المحاماة التي زاولها متخصصاً في القضايا المالية والاقتصادية والتجارية لا سيما النقل البحري والبري بعد تخرّجه عام .1948 وتدرّج في مكتب عبدالله اليافي ليكمل تدرّجه في مكتب كميل إده وابنه غبريال.
يفخر إده انه بعد التدرّج لم يجن قرشاً واحداً من لبنان، بل إن ثروته هي حصيلة وكالات تجارية لعدد من المؤسسات والشركات الدولية الكبرى التي تعمل في الخارج، لا سيما أفريقيا وبعض الدول الأوروبية. تماماً كما يتباهى اليوم، بأن ما يجنيه اولاده الخمسة من ثروات ينالونها بدل أعمالهم في الخارج، وهم ينفقون بعضا منها على مساعدات اجتماعية ولرعاية بعض الحالات الخاصة...
ولكن قبل العمل وجني الثروات والزواج وإنجاب الاولاد، كاد إده أن يصبح راهباً. وهو ورث التديّن عن والدته لفترة من الزمن ثم عاد وانقطع عن المسيحية عشرين عاما، الى أن اعاده ابنه سليم اليها وهو في الخمسين من عمره. على إثر تلك التجارب أضحى للوزير السابق رؤية إيمانية، يؤمن من خلالها ان الدين واحد، والإله واحد، وان الدين لا يفرّق بل يجمع. وقد ثبّت مسيحيته عبر القراءة وانفتاحه على مختلف الأديان والفلسفات الدينية... حتى قاد إيمانه وانفتاحه المطران جورج خضر الى الكتابة يوماً واصفاً إياه بـ«العلماني الاكثر مني إيماناً». كيف لا، وهو غالبا ما يحمل في جيبه علبة فيها صليب فضي او أيقونة، يهديها الى من يحب كي تحميه. وقد أهدى واحدة منها الى السيّد حسن نصرالله. ولعله من بين القلائل الذين يقتنون مجموعات كبيرة من الأيقونات، قام هو بجمعها من اماكن مختلفة.
ذلك الإيمان، لم يقرنه إده بممارسة مستمرة للطقوس الدينية، كما لم يمنعه أيضا من التعمّق بالماركسية التي رأى فيها نهجاً مشابهاً للمسيحية، كونها أتت «كما الإنجيل للعدالة وللفقراء»، على الرغم من انتقاده لها (أي الماركسية) في فشلها في تطبيق الديموقراطية وإطلاق الحريات واعتماد النظام الاقتصادي.
قرأ كثيراً للفيلسوف والكاتب الفرنسي إيمانويل مونييه، وهو صاحب نظرية الشخصانية، ولعلّ قراءاته المتعدده زادت من ثقته بنفسه الى حدود مناقشة فكر لينين مع أعضاء في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في قلب موسكو خلال زيارة رسمية قام بها وأمين الجميل وشفيق الوزان ووفيق الطيبي سنة .1978 وقد غالط أحدهم الى حدود ان جعله يحمرّ خجلا، مصوباً له تحريفه لمبادئ لينين. «قال لي شفيق الوزان خائفاً: يا ميشال رح تروحنا»، كما يروى عنه، غير ان إده اكمل حديثه منبها مستقبليه الى انهيار النظام الشيوعي ما لم يصوبوا الأخطاء. وهكذا كان بعد 17 عاماً، يقول.
هل يصبح صديق الرؤساء رئيساً؟
في اواخر الأربعينات، لم تكن قدما إده قد وطأتا أياً من الوزارات. كان ما زال ذاك المحامي المثقف. وقد قادته ثقافته، وإطلاعه على الماركسية الى التعرّف الى مسؤولين في الأحزاب اليسارية ومنهم فرج الله الحلو أمين عام الحزب الشيوعي، وزعيم الحزب القومي السوري الاجتماعي انطون سعادة، حتى اطلق عليه لقب «الماروني الأحمر». في المقابل كانت له لقاءات متكررة مع ميشال شيحا، الذي تعرّف اليه عبر صهر شيحا، أي صديق عمره بيار حلو.
لقد قاده شيحا الى البحث في مسألة إسرائيل والصهيونية، وحثّه على القراءة أكثر عنها، وبات له الفضل في تحوّل إده الى خبير في القضايا العربية الإسرائيلية. لا بل إنه، اليوم، يحفظ تاريخ الحركة الصهيونية وقياداتها وخططها عن ظهر قلب، ومن موقع الدارس المتعمّق، الذي يفصل تماما بين مشروعها السياسي وبين اليهودية كدين، والذي يرى ان الربط بين إسرائيل ككيان سياسي وبين اليهود لا سند له من التاريخ، وخصوصا أن اليهود لم يشغلوا في فلسطين على امتداد تاريخها الا نسبة من سكانها، وأن التوراة بكل حكاياتها وأساطيرها ليست لها جذور في فلسطين التي يعرفها العالم... ولا سيما انها ليست بنص مقدس بل مجموعة من القصص والأساطير والحكايات والخرافات...
عند شيحا، كان يلتقي إده الى حلو مع ميشال بشارة الخوري وشارل حلو. وتوطدت العلاقة بينه وبين الآخير، الى حدّ توزيره عام 1966 بعدما اعتلى حلو سدة الرئاسة، فتولى حقيبة الأنباء والبريد والبرق في حكومة الرئيس رشيد كرامي، بعد ان تعذر توزيره قبلا في حكومة عبد الله اليافي.
لكنه لا يعتبر انه دخل السياسة عبر الحقيبة الوزارية، بل إنه خاضها بمشاركته في تظاهرات عام 1947 ضدّ قرار تقسيم فلسطين، حين كان طالباً.
كان إده في تلك المرحلة صديقا لرئيسي جمهورية لاحقين، جمعته معهما مقاعد الدراسة في الجامعة اليسوعية: الياس سركيس ورينيه معوّض.
يروي الزميل نقولا ناصيف ضمن سلسلة «رئاسيات 1995» ان إده كاد ان يكون رئيساً لمرتين، مرة اولى عام 1982 ومرة ثانية عام .1989في المرة الأولى، كان سركيس عازماً على ترشيحه ومعوض، مفصحاً لإده عن حظوظ عالية ما لم تحصل التغييرات التي ينتظرها بشير الجميل فتوصله الى الرئاسة الأولى. وكان ثمة اتفاق شفوي بين سركيس والجميل على دعم إده، غير ان الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 قدّم للجميل ما كان ينتظره.
بعدها بسنتين وعلى فراش المرض، علّق سركيس قائلا لإده «مرقت من تحت منخارك، ولو لم يحصل الاجتياح لكنت انت رئيساً. كان بشير القوي على الأرض سيدعمك». الكلام نفسه كرره السفير الأميركي السابق في بيروت جون غونتر دين على مسامع إده.
في المرة التالية، أي عام ,1989 قيل انه أفلت الرئاسة من يده، حين سقط في امتحان سوري، سئل على أساسه رأيه في كيفية حلّ مسألة اعتصام ميشال عون في قصر بعبدا، فردّ إده، الذي رافقه ميشال سماحة وسامي الخطيب ومحسن دلول، انه لا يؤيد عملية عسكرية ضدّ الموارنة. وكان ان سقط من الحسابات السورية، فأفلتت الرئاسة من بين يديه، بعد ان مرّت من «تحت منخاره» قبل ست سنوات.
إده الذي لم يترشح يوماً الى النيابة، عيّن وزيرا لخمس مرات، تسلّم خلالها مرتين حقيبة الإعلام ومرتين حقيبة الثقافة والتعليم العالي (وزارة رفيق الحريري الاولى عام 1992 والثانية) وأتى وزيرا للدولة مرة واحدة أي خلال الحكومة الثالثة للحريري.
بين جمهوريتين، بقي ميشال إده المرشح الوحيد من الرعيل القديم. عاصر نظامين من دون ان تكون له مشاركة في صياغة الجديد. أدرك أن القضية العربية مع إسرائيل ما زالت الحمل الثقيل الذي تتوارثه الجمهوريات، كما يعلم جيّدا أن على الموارنة دوراً يجب أن يلعبوه لحماية العيش المشترك في لبنان، وأن يفهموه اولا. وقد قال مرة «إن أهم سبل الصمود هو تدعيم السلم الأهلي وعملية التعايش، فهذه تهدم المشروع الصهيوني الذي يهدف الى خلق إطار جديد للمنطقة الا وهو الشرق الأوسط الكبير». ميزته أنه لم يرث، كما غيره، صورة المتعاون مع دمشق، وانه من أشرس المناهضين لإسرائيل. صورة قد تبدو توافقية. فهل تكون «الثالثة ثابتة» ويطفئ ميشال إده شموعه الثمانين في قصر بعبدا؟
يذكر أن إده ترأس الرابطة المارونية منذ عام 2003 الى عام ,2007 كما يرأس منذ عام 1990 الشركة العامة للطباعة والنشر التي تصدر صحيفة «لوريان لوجور». وهو متأهل وله بنت وأربعة صبيان.


جريدة-e
 
نسخة للطباعة إرسال المقال
نسمع اقتراحاتكم وتعليقاتكم
الأكثر قراءة في الموقع