«إيبولا» آتِ.. كيف يحمي اللبنانيون أنفسهم؟
ملاك مكي
لم تسجل أي حالة إصابة بفيروس «إيبولا»، حتى اليوم، في لبنان أو عند الجاليات اللبنانية الموجودة في الدول الموبوءة، لكن اشتبه بأكثر من 10 حالات تبين أن معظمها حالات «ملاريا».
ويمكن القول إن استعدادات لبنان الوقائية والإجراءات التي تتولاها وزارة الصحة مقبولة إلى حد ما، نسبة إلى خطورة الوباء، ذلك أن الولايات المتحدة ودولاً غربية سجلت ثغرات في نُظُم الرصد والاستجابة، كما أن منظمة الصحة العالمية نفسها اعترفت بأنها أساءت تقدير خطورة الوباء. غير أن ذلك لا يبعد شبح الفيروس، خصوصا أن لبنان على تماس مع الدول الموبوءة من خلال عوامل عدة أبرزها الجاليات اللبنانية هناك.
وتتشابه أعراض المرض مع أمراض أخرى عادية، ولا يصبح الشخص معدياً إلا بعد ظهور الأعراض، وتتراوح فترة حضانة المرض (أي بين الإصابة بالفيروس وظهور الأعراض) بين يومين و20 يوماً. ويكمن التحدي في رصد الحالات، وإيجاد البنية التحتية في المستشفيات لاستقبال المصابين وعزلهم، ومن ثم المعرفة العلمية والقدرات الكفيلة بمعالجة المصابين ومنع انتشار المرض والعدوى.
وحسنا فعل وزير الصحة وائل أبو فاعور في آخر جلسة عقدها مجلس الوزراء عندما قرع الجرس منادياً الحكومة بأن تضع العناوين السياسية جانباً، وأن تولي القضايا التي تمس حياة اللبنانيين أولوية على ما عداها، وعلى هذا الأساس، تمت الموافقة على توظيف 12 ممرضة وممرضا (طلبت الوزارة 20)، من دون المرور بممر التوظيف التقليدي عبر مجلس الخدمة، وذلك لتلبية موجبات التعامل مع هذا الخطر الداهم الذي يشغل بال الكرة الأرضية كلها.
وفي الوقت نفسه، باشرت وزارة الصحة العامة، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية ومع بعض الوزارات والمؤسسات العامة والخاصة، في اتخاذ تدابير أبرزها تشغيل الماكينات الحرارية في مطار بيروت، وعدم انتظار نزول الركاب من الدول الموبوءة بل صعود فريق التمريض الى الطائرات لفحص الركاب وملء الاستمارات اللازمة، وفي الوقت نفسه، اتُّخذت إجراءات عند النقاط الحدودية البحرية، بحيث تنحصر حركة الركاب أساساً بين مرفأي بيروت وطرابلس، بحيث تتولى إدارة هذين المرفقين إبلاغ وزارة الصحة بمواعيد وصول البواخر الآتية من دول موبوءة، وفي الوقت نفسه، اتخذت وزارة الزراعة قرارا بوقف استيراد أنواع من الحيوانات من الدول الموبوءة، علما أن الخطر عبر الحدود البرية غير قائم بسبب الأوضاع في سوريا، وعدم وجود حركة سفر منها واليها نتيجة الظروف الأمنية القائمة منذ ثلاث سنوات ونيف.
ويمكن القول إن تجربة مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت تشكل مدماكاً لكيفية إقامة بنية تحتية من خلال تجهيز غرفة عزل تتسع لثلاثة أشخاص، ويتم تجهيزها لاستيعاب 8 أشخاص مع تهوئة وتكييف منفصل عن المستشفى، ومختبر خاص متصل بغرفة العزل، على أن يتم السعي لإجراءات خاصة بالنفايات الطبية (كانت التحاليل المخبرية تجري في مدينة ليون الفرنسية نظرا لعدم وجود مختبرات متخصصة في البلدان العربية).
وتواجه الخطط التحضيرية في لبنان مشاكل عدة: سبل نقل المصاب، إذا تم تسجيل إحدى الحالات، من البلد الموبوء إلى لبنان، قلة في عدد المراقبين الصحيين في المطار خلال فترة الليل، معايير السلامة الإحيائية التي تتفاوت بين مختبر وآخر، تجهيزات الغرف العازلة في المستشفيات وأقسام الطوارئ، تجهيزات طواقم التمريض وسبل التخلص من النفايات الطبية.. والأخطر من ذلك، قرار إدارات بعض المستشفيات (الفنادق) باعتماد سياسة النأي بالنفس عن هذه القضية، لأسباب تجارية، عبر طمأنة روادها بأنها لا تستقبل حالات من هذا النوع!
غير أن وزارة الصحة بادرت الى إلزام كل مستشفى سعة 100 سرير وما فوق باتخاذ إجراءات تتيح له استقبال مصابين أو مشتبه بإصابتهم.
وأعلن وزير الصحة وائل أبو فاعور، في مؤتمر صحافي، أمس، العمل على تجهيز وحدات عزل في مستشفيات حكومية في النبطية، صيدا، طرابلس، ضهر الباشق وبعلبك، واتخاذ إجراءات استثنائية لإعطاء تأشيرة دخول للمسافرين غير اللبنانيين الآتين من البلدان الموبوءة، على أن يبلغ اللبنانيون الراغبون بالعودة إلى لبنان السلطات للقيام بالإجراءات الاحترازية.
وقال أبو فاعور لـ«السفير» ان لا شيء يدعو الى الذعر والهلع في المجتمع اللبناني لكن من واجبنا كوزارة صحة التحذير واتخاذ الإجراءات الاحترازية الكفيلة بمنع وصول الوباء وانتشاره، ومن هنا كانت دعوتنا الى جميع الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة للتكاتف والتعاون من أجل تشكيل سد في مواجهة هذا الخطر ومن أجل الحفاظ على صحة وسلامة اللبنانيين وكل من يقيم على أرض لبنان من دون استثناء.
وكشفت رئيسة دائرة الأمراض الانتقالية في وزارة الصحة د. عاتكة بري لـ«السفير» أنه تم تزويد الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني بـ160 بدلة واقية، وبـ20 بدلة للحجر الصحي في المطار، فضلا عن تسليم بدلات واقية للمستشفيات.
وشددت نقيبة الممرضين والممرضات هيلين نويهض على ضرورة تعزيز معدات الوقاية للممرضين والعمل على إزالة حاجز الخوف.
يذكر أن وباء «إيبولا» لا ينتقل في الهواء، بل عبر الاحتكاك بدم المصاب أو إفرازات الجسم الأخرى، وهو يؤدي إلى وفاة حوالي 50 في المئة من المصابين (ص4).
وفي سياق المستجدات الدولية المتعلقة بالمرض القاتل، أعلنت منظمة الصحة العالمية أمس، رسمياً، «خلو نيجيريا من إيبولا، بعد مرور 42 يوماً من دون ظهور حالات إصابة جديدة بالمرض»، بعد إعلان مماثل سابق في السنغال التي انتقلت إليها حالة واحدة من غينيا.
إلى ذلك، تعهد الاتحاد الأوروبي أمس بتعزيز الجهود لـ«استئصال» الوباء في الدول الأفريقية التي سجلت أعلى معدل للإصابات، واعداً بمساعدات تبلغ على الأقل 500 مليون يورو، وبضمانات لإجلاء عاملي القطاع الإنساني الذين يلتقطون العدوى. وأعلنت منظمة «أطباء بلا حدود» أن طبيبة نروجية كانت قد التقطت عدوى إيبولا في أثناء مهمة في سيراليون «تعافت»، فيما توفي موظف في الأمم المتحدة بالفيروس في سيراليون.
سليمان تقي الدين
«اتفاق الطائف» المنبوذ
أياً كان الرأي في «اتفاق الطائف» نصاً أو تطبيقاً بعد ربع قرن، فإن الاتجاه الغالب لدى القوى السياسية هو للابتعاد عنه وليس الالتزام به. نضجت صيغة الطائف في حوار وطني لبناني مديد وحار قبل أن تتحوّل إلى تسوية خارجية كذلك. لكن عند إقرار الطائف ألبسنا الجمهورية نصاً أقرب إلى أفكار السبعينيات الإصلاحية فيما كان الواقع اللبناني يتراجع عن هذا الاتجاه تحت وطأة «التعريب» الذي أطاح التجربة اللبنانية.
ذات يوم ليس ببعيد فكّر لبنانيون من مواقع مختلفة بأن يجدوا صيغة لتكامل أو لشكل من التعاون مع سوريا يؤدي إلى قيام دولتين مدنيتين في مواجهة خطر صعود الإسلام السياسي السلفي الجهادي، خاصة في العراق. فإذا بسوريا تنفجر بحرب أول ما أسقطته ثقافتها القومية والمدنية وتطور مجتمعها المدني. وبذلك تساوت المنطقة كلها في الوقوف بالعراء دون وجود نقطة ارتكاز نحو مجتمع سياسي أفضل. وحين خرجت فئات من الشباب اللبناني بعدوى الثورات العربية تطالب «بإسقاط النظام الطائفي» لم نكن قادرين على إقناعها بالدفاع عن الدستور وتطبيقه لاعتقادها أن الموجة هي لمصلحة التغيير إلى أمام في العالم العربي. وإذا بنا نشهد سخرية سياسية ولامبالاة من القوى الطائفية التي أدركت أنها الطرف المسيطر في المعادلة. فالشغل الشاغل لدى الأطراف السياسية اللبنانية هو إرساء معادلات لاستقبال مرحلة إعادة تكوين النظام الإقليمي وليس بحثاً عن نظام سياسي هدفه الأساسي بناء تجربة لبنانية مستقلة.
يبدو أن لا حوامل للإصلاح السياسي في لبنان، وأن البحث عن حلول لمشكلاته مرهون للمناخ الإقليمي الأبعد من الدائرة العربية. لذا أي جهد الآن يمكن أن يتجه إلى بلورة تشخيص المشكلات العربية والبحث عن حلول لها إزاء قضايا تشق هذه المنطقة على أساس معطيات وبين قوى لم تكن قائمة في القرن الماضي أو ذات تأثير حاسم على مجرى السياسة العربية.
الفورة النفطية والاقتصاديات الريعية أحدثت توازناً جديداً كاسحاً في العالم العربي لمصلحة المعسكر الخليجي والنفطي عموماً، وجلبت معه تبديلاً عميقاً في الثقافة السياسية ما زالت تتفاعل حتى الآن.
قادنا هذا المتغيّر إلى «التسليم» بشكل الصراعات ولغتها وانخرطنا فيها واقعية أو تقيّة أو مسايرة أو ضعفاً أو وهماً. لم يكن ذلك خارج السياق العالمي لهجوم «النيوليبرالية» وإنجازاتها السياسية وكأننا بذلك في موجة واحدة مع العصر. فإذا كان لبنان اليوم قد أصبح تفصيلاً صغيراً في المشهد الإقليمي أمام «جبهات دولية» وتحالفات لإعادة تكوين هذا المشهد، فإن الجهد الحقيقي يمكن أن يبذل إسهاماً في طرح القضايا التي لا يمكن أن يطويها هذا الصراع السياسي الدولي ويؤجل إلى ما لا نهاية وضعها على جدول الأعمال. الإفلاس لا يطاول الطبقة السياسية الحاكمة وحدها وقد صار عربي الهوية أيضاً، بل النخب السياسية خارج دائرة السلطة حيث لم تستطع أن تطرح المهمات الفعلية وتقوم بإنشاء قوى ضاغطة على المسار الانحداري العربي. ولعل النموذج اللبناني معبّر عن كيف انحلّت صيغة الجبهات السياسية التي تسعى إلى الإصلاح وكيف تغلّبت الروح العصبية الحزبية والشخصانية على ما عداها من اعتبارات. ورغم وجود كل المروحة الواسعة من القضايا المشتركة بين اللبنانيين والتي يفترض أن توحدهم في وجه الفوضى السلطوية العبثية فلا نجد إطاراً واحداً قادراً على تشكيل نواة جذب لهذه الهموم والاهتمامات المشتركة.
ربع قرن من حياة اللبنانيين على «الطائف» كان يمكن أن ينجزوا خلالها الكثير، فالحساب هنا ليس مع «الطائف» بل مع كل الذين جعلوه وليداً منبوذاً لمصالح عابرة.
جاري التحميل