سليمان تقي الدين
جبهة للحرية
لا شيء يتقدّم الآن على أولوية البحث في إدارة التنوّع على مساحة «الشرق الأوسط». نأسف أن نسمّيه كذلك لأنه لم يعُد في هوية عربية ولا هوية إسلامية. كنا نسمّيه العالم العربي برغم ما فيه من تنوع قومي وإثني وديني ولغوي، وكانت «العروبة» هوية ثقافية وحضارية جامعة ومشروعاً قيد الإنجاز في دولة اتحادية. لكن الإيغال في تجاهل وإنكار التنوع أدى إلى انفجار هذه المشكلات دفعة واحدة. ما نسمّيه الآن «مسألة أقليات» هو في الحقيقة مسألة الأكثريات المضطهدة في الأنظمة الاستبدادية لأنها حرمت حرية العيش بكرامة ووفق حقوق متساوية، وحرمت من ممارسة خصوصياتها والتعبير عن نفسها في الكثير من أشكال التعبير. اغتالت الأنظمة الحرية في المجتمع فحاصرت كل تنوّع غريب عن عصبية تكوينها وإيديولوجيتها وهويتها القومية أو الدينية أو الطائفية.
هناك مشكلة تاريخية قديمة جداً في الاجتماع السياسي حيث التعددية الأغنى في منطقتنا. وهناك تاريخ من المصاعب الكبيرة والمحطات الدموية التي لا يفيد استرجاعها. لكن ذلك كله لم يساعدنا على إيجاد دول وأنظمة في أولوياتها وحدة شعوبها انطلاقاً من مبدأ المواطنة. أمعنّا تشويهاً في مشروع الدولة حتى صارت تنسب لعوائل وسلالات وأفراد وجماعات ومذاهب. ونذهب راهناً في ما هو أشنع في تصنيف الرعايا وفي جعل الجماعات موضع حماية أجنبية كانت أم داخلية، وهذا هو أسوأ أشكال «الذّمّية السياسية» الذي يتطوّع لترويجه البعض، ربما بحسن نية، بحثاً عن حلول سهلة لأزمة مجتمعات عميقة وليس لأزمة سياسية عابرة.
جاري التحميل